سامر شقير: 160 مليار دولار ثم تراجع مفاجئ.. ماذا تفعل السعودية بسندات الخزانة الأمريكية؟
ارتفاع حيازة السعودية من سندات الخزانة الأمريكية لا يعني بالضرورة أن الرياض قررت زيادة رهانها الاستراتيجي على الدولار، كما أن تراجعها لا يعني تخارجًا من الأصول الأمريكية، الرقم الأهم في البيانات ليس فقط وصول الحيازة إلى 142.4 مليار دولار في يوليو 2026، بل القفزة المؤقتة إلى 160.4 مليار دولار في فبراير ثم تراجعها إلى 140.1 مليار دولار في أبريل واستقرارها قرب 142 مليار دولار حتى يوليو.
ارتفاع سنوي يخفي حركة أكثر تعقيدًا
أظهرت بيانات وزارة الخزانة الأمريكية أن حيازة السعودية ارتفعت من 131.6 مليار دولار في يوليو 2025 إلى 142.4 مليار دولار في يوليو 2026، بزيادة 10.8 مليار دولار تعادل نحو 8.2%.
لكن قراءة العام بالكامل كمسار صاعد تخفي تقلبًا كبيرًا، فقد ارتفع الرصيد إلى 148.8 مليار دولار في نوفمبر و149.5 مليار دولار في ديسمبر، ثم هبط إلى 134.8 مليار دولار في يناير، قبل أن يقفز 25.6 مليار دولار في فبراير إلى 160.4 مليار دولار، ثم يتراجع إلى 152 مليار دولار في مارس و140.1 مليار دولار في أبريل.
هذا المسار أقرب إلى إدارة نشطة للسيولة والمدة من كونه زيادة مستقرة في التخصيص.
الخزانة الأمريكية ليست كل الاحتياطي السعودي
بنهاية يوليو، امتلكت السعودية 142.4 مليار دولار من سندات وأذون الخزانة، بينها 110.2 مليار دولار في أدوات طويلة الأجل، و32.2 مليار دولار في أدوات قصيرة الأجل.
لكن هذه الحيازة لا تمثل كامل الأصول الخارجية للسعودية، كما أن بيانات نظام رأس المال الدولي تعتمد بدرجة كبيرة على أمناء حفظ ووسطاء داخل الولايات المتحدة، ولذلك لا يمكن اعتبار كل تغير شهري في الرصيد دليلًا مباشرًا على شراء أو بيع فعلي من المالك النهائي.
وهذه نقطة مهمة عند قراءة قفزة فبراير أو هبوط أبريل.
لماذا لا تكفي مقارنة السعودية بالصين واليابان؟
بلغت الحيازات الأجنبية من الخزانة الأمريكية 9.248 تريليون دولار في يوليو، وجاءت اليابان في المركز الأول بنحو 1.104 تريليون دولار، تلتها المملكة المتحدة بـ998.3 مليار دولار والصين بـ618 مليار دولار، بينما جاءت السعودية في المركز السابع عشر.
حصة السعودية من إجمالي الحيازات الأجنبية تظل محدودة، لكنها مهمة داخل منظومة إدارة الاحتياطيات السعودية، لذلك فإن تغيرها لا ينبغي تفسيره باعتباره رسالة سياسية إلى واشنطن من دون أدلة إضافية.
أسعار الفائدة تغير حسابات الاحتياطي
البيئة الاستثمارية أصبحت أكثر حساسية لمخاطر المدة، فقد أبقى الاحتياطي الفيدرالي الفائدة في يوليو عند 3.50% إلى 3.75%، قبل أن يرفعها في سبتمبر إلى 3.75% إلى 4%.
وفي 23 سبتمبر بلغ عائد سند الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات 5.11%، بينما بلغ عائد الثلاثين سنة 5.40%، قبل ارتفاعهما في اليوم التالي.
ارتفاع العوائد يمنح مشتريات جديدة عائدا أكبر، لكنه يخفض القيمة السوقية للسندات القائمة، لذلك فإن زيادة آجال المحفظة ترفع الدخل المتوقع، لكنها تقلل المرونة إذا احتاجت الجهة المالكة إلى تسييل سريع.
القمة التاريخية لم تعد هي المعيار
بلغت حيازة السعودية 184.4 مليار دولار في فبراير 2020، ما يعني أن مستوى يوليو 2026، البالغ 142.4 مليار دولار، لا يزال أقل بنحو 42 مليار دولار من تلك القمة.
لذلك فإن الزيادة السنوية الحالية تبدو أقرب إلى إعادة بناء جزئية لمركز سابق، لا إلى عودة كاملة إلى مستويات ما قبل صدمة 2020.
الخلاصة الاستثمارية
القراءة الأكثر تحفظًا للبيانات هي أن السعودية تدير محفظة احتياطية تبحث عن التوازن بين السيولة والعائد، وليس أنها تنفذ تحولًا استراتيجيًّا في علاقتها بالدولار.
القفزة إلى 160.4 مليار دولار ثم التخلي عن جزء كبير منها خلال الأشهر التالية تقول إن المرونة لا تزال عاملًا أساسيًّا.
ولهذا فإن السؤال الاستثماري الحقيقي ليس: هل زادت السعودية حيازتها من الخزانة الأمريكية؟
بل: هل الزيادة ستتحول إلى اتجاه مستدام، أم أنها مجرد حركة مؤقتة داخل إدارة الاحتياطيات؟
حتى بيانات يوليو، لا تقدم الأرقام دليلًا كافيًا على تحول استراتيجي؛ بل تكشف إدارة دقيقة للسيولة والعائد والمخاطر في بيئة أصبحت فيها تكلفة الاحتفاظ بالأصول طويلة الأجل أكثر أهمية من أي وقت قريب.
