×

سامر شقير: اعتذار ناغويا يضع الجاهزية التشغيلية أمام اختبار كأس آسيا 2027 ومونديال 2034

الإثنين 5 أكتوبر 2026 11:25 صـ 22 ربيع آخر 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

قال سامر شقير رائد الاستثمار: إن الاعتذار الذي قدمته اللجنة المنظمة لدورة آيتشي-ناغويا 2026 عن الاضطرابات التي شهدتها الإقامة والنقل يتجاوز كونه مشكلة تنظيمية عابرة، ويقدم درسًا استثماريًّا مهمًا للدول والأسواق التي تستعد لاستضافة أحداث رياضية وسياحية ضخمة، وفي مقدمتها السعودية مع اقتراب كأس آسيا 2027 ومونديال 2034.
وأوضح سامر شقير، أن «الرسالة الأهم من تجربة ناغويا ليست أن توفير الإنفاق الرأسمالي قرار خاطئ، وإنما أن نقل التكلفة من الإنشاء إلى التشغيل لا يعني إلغاءها، بل قد يجعلها أكثر حساسية في لحظة الذروة، عندما يصبح أي خلل صغير قادرًا على التأثير في السمعة والعائد الاقتصادي».
وأشار إلى أن دورة آيتشي-ناغويا شهدت ارتفاع عدد المشاركين إلى نحو 17 ألف شخص، مقابل تقديرات سابقة في حدود 15 ألفًا، أي زيادة تقارب 13 في المئة عن الخطة، وقال إن هذا الفارق يبدو محدودًا على الورق، لكنه في الأحداث متعددة الرياضات يمكن أن يتحول سريعًا إلى أزمة في الغرف والحافلات والإعاشة ومواعيد التدريب، خصوصًا عندما تكون إقامة الوفود موزعة على فنادق ومنشآت مؤقتة ومواقع مختلفة.
وأضاف سامر شقير، أن قرار ناغويا عدم بناء قرية رياضيين اعتمد على استخدام الفنادق وسفينة سياحية ووحدات إقامة مؤقتة، وهو نموذج يستهدف تقليل الأصول التي قد تفقد قيمتها بعد انتهاء الحدث، إلا أنه يحتاج إلى دقة عالية في تقدير أعداد المشاركين، وتعاقد مبكر على الغرف، وطاقة نقل احتياطية، وأنظمة تشغيل قادرة على استيعاب الزيادات المفاجئة.
وتابع شقير: «عندما اشتكت بعثات رياضية من ضيق بعض أماكن الإقامة وتأخر الحافلات ومشكلات الوجبات، ظهرت التكلفة الحقيقية للنموذج، المشكلة لم تعد كم أنفقت اللجنة على بناء قرية، بل كم أصبحت تكلفة معالجة الأخطاء، وكم يمكن أن تدفع السمعة من قيمة اقتصادية مستقبلية للمدينة».
ورأى سامر شقير، أن التجربة اليابانية تكتسب أهمية أكبر عند النظر إلى الاستعدادات السعودية، لأن حجم المشاريع والاستثمارات المرتبطة بكأس آسيا 2027 ومونديال 2034 يجعل التشغيل جزءًا أساسيًّا من العائد على الاستثمار، وليس مرحلة لاحقة بعد اكتمال الملاعب والفنادق.
وقال شقير: إن السعودية تختلف جذريًّا عن ناغويا من حيث حجم الاستثمارات والقدرات المالية والبنية التحتية المخطط لها، لكن «المشكلة التي يجب تجنبها واحدة: ألا تتحول الرغبة في ضبط الإنفاق إلى تقليص في البنود التشغيلية التي لا تظهر في الصور والمخططات، لكنها تظهر فور وصول آلاف الزوار والرياضيين في الوقت نفسه».

وأكد سامر شقير، أن عنق الزجاجة المحتمل لا يرتبط بالملاعب وحدها، بل بمنظومة الإقامة والنقل والإعاشة وإدارة الحشود، وأضاف أن الإعلان عن تطوير وحدات فندقية جديدة لا يعني بالضرورة وجود غرف جاهزة للتشغيل وقت الحدث، مشيرًا إلى ضرورة ربط كل زيادة في الطاقة الفندقية بقدرة فعلية على توفير الموظفين والخدمات والنقل والأنظمة التشغيلية.
وأوضح شقير، أن الفرصة الاستثمارية في المرحلة المقبلة قد تنتقل بصورة أكبر إلى شركات تشغيل الفنادق، وإدارة الحشود، والنقل الجماعي، ومنصات توزيع الغرف، ومقدمي الخدمات القادرين على توفير طاقة احتياطية خلال فترات الذروة.
وقال شقير: «المستثمر الذي سيستفيد من دورة الإنفاق الرياضية ليس بالضرورة من يبني الملعب فقط، القيمة قد تكون أكبر لدى من يستطيع تشغيل المنظومة بكفاءة عندما ترتفع الأحمال إلى أقصى مستوياتها، في الأحداث الكبرى، القدرة الاحتياطية ليست تكلفة زائدة، بل أصل استراتيجي».
وأشار سامر شقير إلى أن كأس العالم 2034 سيحتاج إلى معايير أكثر صرامة بسبب حجم الحدث وتعدد المدن والمنشآت والمنتخبات والزوار والإعلام العالمي، وقال إن هامش الخطأ الذي قد يكون قابلًا للاحتواء في حدث قاري محدود يمكن أن يتحول في كأس العالم إلى أزمة دولية خلال ساعات، خصوصًا مع سرعة انتشار الصور والتجارب السلبية عبر المنصات الرقمية.
وشدد شقير، على أن الاستثمارات الفندقية يجب ألا تقاس فقط بعدد الغرف التي ستدخل السوق، وإنما بمدى قدرتها على خدمة الطلب أثناء الحدث وبعده، وأضاف أن إنشاء طاقة فندقية ضخمة لا تحقق استخدامًا مستدامًا بعد انتهاء البطولة قد يحول الأصل من فرصة استثمارية إلى عبء على المستثمرين والمشغلين.
وأكد سامر شقير، أن النجاح الاقتصادي للفعاليات الرياضية السعودية يجب أن يقاس بقدرتها على خلق طلب متكرر في السياحة والأعمال والترفيه، وليس بعدد الزوار خلال أسابيع البطولة فقط.
وقال شقير: «الهدف الحقيقي ليس أن تنجح السعودية في استضافة حدث عالمي ثم ينتهي أثره بانتهاء المباراة الأخيرة، بل أن يتحول الحدث إلى منصة لإعادة تشكيل الطلب السياحي والتجاري على مدار العام، وهذا يتطلب أن تكون الاستثمارات قابلة للاستخدام بعد البطولة، وأن تكون البنية التشغيلية مصممة للمرحلة التي تلي الحدث كما صممت لأيام الذروة».

وأوضح شقير، أن تجربة ناغويا تكشف كذلك أهمية وجود هامش احتياطي واضح في الإقامة والنقل، وعدم بناء الخطط على السيناريو الأساسي فقط، وأضاف أن أي منظومة استضافة كبرى تحتاج إلى القدرة على التعامل مع التسجيلات المتأخرة والتغيرات المفاجئة في أعداد الوفود والظروف المناخية وأعطال النقل والاحتياجات الطبية.
واعتبر سامر شقير أن مؤشرات الجاهزية التي يجب أن يراقبها المستثمر خلال السنوات المقبلة تشمل نسبة الغرف المتعاقد عليها فعليًّا، وحجم الطاقة الاحتياطية، وعدد اختبارات النقل قبل الحدث، ومدى جاهزية فرق التشغيل، والفارق بين أسعار الغرف المتعاقد عليها وأسعار السوق خلال فترات الذروة، إضافة إلى وجود شروط واضحة للمساءلة عن التأخير أو عدم مطابقة الخدمات للمعايير المتفق عليها.
وأضاف شقير: «الدرس الاستثماري من ناغويا واضح: لا يمكن تقييم مشروع استضافة ضخم من خلال تكلفة البناء وحدها. يجب احتساب تكلفة التشغيل، وتكلفة الطوارئ، وتكلفة السمعة، وقيمة الأصل بعد انتهاء الحدث، الأصل الذي يوفر ملايين الدولارات في مرحلة الإنشاء لكنه يخلق اختناقًا في أيام البطولة قد يكون أغلى بكثير مما يبدو في ميزانية المشروع».
واختتم سامر شقير بالقول إن التجربة اليابانية لا تمثل حكمًا على النموذج السعودي، لكنها تقدم فرصة مبكرة لاختبار الفرضيات وتصحيحها قبل وصول الاستحقاقات الكبرى، مؤكدًا أن «أفضل استثمار يمكن أن تقوم به الدول المستضيفة قبل الحدث ليس بالضرورة المزيد من الإنشاء، وإنما التأكد من أن كل أصل قائم وكل غرفة وكل حافلة وكل فريق تشغيل قادر على العمل تحت ضغط الذروة، النجاح الحقيقي يبدأ عندما لا يلاحظ الجمهور حجم البنية التشغيلية لأنها تعمل ببساطة كما يجب».