سامر شقير: أوروبا تقيد السيارات الهجينة الصينية.. والمصانع الخليجية أمام فرص استثمارية جديدة
أكد سامر شقير، رائد الاستثمار، أن الاتفاق المرتقب بين الاتحاد الأوروبي والصين بشأن تقييد واردات السيارات الهجينة الصينية يمثل تحولًا مهمًا في خريطة المنافسة الصناعية العالمية، مشيرًا إلى أن التدابير التجارية الجديدة لن تنهي المنافسة بين الطرفين، وإنما ستدفع الشركات إلى إعادة توزيع استثماراتها ومصانعها وسلاسل التوريد جغرافيًّا، بما يفتح فرصًا جديدة أمام الأسواق الخليجية وشمال أفريقيا.
وقال سامر شقير: إن الاتفاق يتضمن سقفًا أوليًّا لواردات السيارات الهجينة الصينية يبلغ 350 ألف وحدة سنويًّا، مع زيادة سنوية بنسبة 6% اعتبارًا من العام الثاني، ولمدة أربع سنوات وفقا للتفاهم المطروح، موضحًا أن هذه الخطوة تستهدف الحد من التدفقات المتزايدة للسيارات الصينية إلى السوق الأوروبية، في ظل تصاعد المنافسة والضغوط التي تواجه شركات السيارات الأوروبية.
وأضاف أن أهمية الاتفاق لا تتعلق فقط بحجم الواردات المسموح بها، بل بتأثيره المحتمل على قرارات الاستثمار الصناعي، حيث ستضطر الشركات الصينية إلى دراسة توجيه جزء من إنتاجها نحو أسواق بديلة أو زيادة التصنيع المحلي داخل أوروبا لتجاوز القيود التجارية.
أوروبا والصين تعيدان رسم قواعد المنافسة الصناعية
وأوضح سامر شقير أن الاتفاق يأتي في ظل اختلالات تجارية متزايدة بين الاتحاد الأوروبي والصين، حيث بلغ العجز التجاري الأوروبي في السلع مع الصين نحو 360 مليار يورو خلال عام 2025، وفقا للبيانات الواردة في التقديرات التجارية.
وأشار إلى أن الشركات الصينية استفادت من توسع الطلب على السيارات الهجينة في أوروبا، في وقت تواجه فيه الصناعة الأوروبية تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف الإنتاج والتحول إلى المركبات الكهربائية وتزايد المنافسة السعرية.
وأكد أن بروكسل تسعى من خلال هذه التفاهمات إلى حماية الصناعة المحلية وإعادة التوازن إلى السوق دون الانزلاق إلى مواجهة تجارية شاملة، بينما تحاول بكين الحفاظ على نفاذ شركاتها إلى الأسواق الأوروبية مع تجنب تصعيد القيود التجارية.
وأضاف أن هذا التطور يعكس أهمية السياسات الصناعية في تشكيل المزايا التنافسية للدول، وفقًا للأفكار التي طرحها مايكل بورتر في كتابه «الميزة التنافسية للأمم»، حيث تلعب السياسات الحكومية والتكتلات الصناعية وتكامل سلاسل الإنتاج دورًا أساسيًّا في بناء القوة التنافسية للاقتصادات.
شركات السيارات الصينية تتجه إلى إعادة توزيع استثماراتها
وقال سامر شقير: إن شركات السيارات الصينية الكبرى، مثل بي واي دي وشيري وسايك، قد تتجه إلى إعادة تنظيم استراتيجياتها الإنتاجية والتجارية، من خلال زيادة الاعتماد على الأسواق البديلة أو دراسة إنشاء مصانع وتجميع محلي داخل أوروبا.
وأوضح أن دولا مثل المجر وإسبانيا قد تستفيد من توجه الشركات الصينية نحو توطين الإنتاج، بما يؤدي إلى زيادة الاستثمارات في المصانع ومكونات السيارات والبطاريات والخدمات اللوجستية.
وأضاف أن الشركات الأوروبية قد تحصل على فرصة مؤقتة لإعادة هيكلة عملياتها وخفض تكاليف الإنتاج وتسريع تطوير منصاتها الكهربائية، لكنه حذر من أن القيود التجارية وحدها لا تضمن استعادة القدرة التنافسية، خاصة إذا أدت إلى ارتفاع الأسعار على المستهلكين دون تحسين الكفاءة الصناعية.
السعودية والخليج أمام فرص جديدة لجذب الاستثمارات
وعلى مستوى السعودية والاقتصاد الخليجي، أكد سامر شقير أن إعادة توجيه الاستثمارات الصينية قد تفتح نافذة مهمة أمام المنطقة لجذب رؤوس الأموال الصناعية والتكنولوجية، خاصة مع تنامي الطلب على السيارات الهجينة والكهربائية وتوسع برامج التنويع الاقتصادي.
وأشار إلى أن مستهدفات رؤية السعودية 2030 توفر إطارًا مهمًا لتطوير صناعة السيارات الكهربائية وتعزيز القدرات المحلية في التصنيع والمعادن وسلاسل الإمداد، بما يتيح بناء شراكات استراتيجية مع الشركات العالمية.
وأضاف أن الفرصة لا تقتصر على استيراد العلامات التجارية الصينية، بل تمتد إلى جذب الاستثمارات في التصنيع والتجميع وإنتاج المكونات وتطوير خدمات ما بعد البيع، إلى جانب نقل المعرفة والتكنولوجيا وتدريب الكوادر المحلية.
وشدد على أن نجاح هذه الشراكات يتطلب ربط الاستثمارات الأجنبية بمستهدفات التوطين ونقل الخبرات وبناء قاعدة صناعية قادرة على المنافسة إقليميًّا ودوليًّا.
المعادن الأرضية النادرة وسلاسل التوريد في دائرة المخاطر
وحذر سامر شقير من أن المنافسة التجارية لا تتوقف عند السيارات، بل تمتد إلى المعادن الأرضية النادرة والمواد المستخدمة في صناعة البطاريات والمحركات الكهربائية والمغناطيسات الصناعية.
وأوضح أن سيطرة الصين على حلقات مهمة من سلاسل توريد هذه المعادن تمنحها أدوات تفاوضية مؤثرة، وقد تؤدي أي قيود جديدة على التصدير إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وتعطيل بعض سلاسل التصنيع العالمية.
وأشار إلى أهمية تطبيق مفهوم هامش الأمان الذي طرحه المستثمر بنجامين غراهام في كتابه «المستثمر الذكي»، موضحًا أن المستثمرين في قطاع السيارات مطالبون ببناء هامش أمان في سلاسل التوريد، من خلال تنويع الموردين والاستثمار في إعادة تدوير المعادن وتطوير قدرات المعالجة المحلية.
2027 وما بعدها.. التوطين والتنويع يقودان قرارات الاستثمار
واختتم سامر شقير تصريحاته بالتأكيد على أن التأثير الأهم للاتفاق الأوروبي الصيني سيظهر في قرارات الشركات المتعلقة بمواقع الإنتاج وتوزيع الاستثمارات خلال عام 2027 وما بعده.
وأوضح أن القيود قد تؤدي إلى انخفاض التدفقات المباشرة للسيارات الهجينة الصينية إلى أوروبا مقارنة بالتوقعات السابقة، لكنها لن تمنع الشركات الصينية من الحفاظ على حضورها العالمي إذا نجحت في تنويع الأسواق أو توطين الإنتاج أو تحسين قدرتها على المنافسة السعرية.
وأكد أن السعودية والإمارات وبقية الأسواق الخليجية قد تستفيد من هذه التحولات عبر جذب المزيد من الاستثمارات في قطاع السيارات وسلاسل التوريد والصناعات المرتبطة بالطاقة والتكنولوجيا.
وشدد على أن المرحلة المقبلة ستكافئ الشركات التي تمتلك مرونة إنتاجية وقدرة على التكيف مع القيود التجارية وتنويع مصادر المواد الخام، مؤكدًا أن نجاح المستثمرين لن يعتمد فقط على توقع حجم الطلب على السيارات، بل على فهم التحولات الجيوسياسية والصناعية التي تعيد توزيع رأس المال عالميًّا.
