×

البحر الأحمر يعيد حسابات المستثمرين.. سامر شقير يحدد القطاعات الأكثر حساسية

الأحد 27 سبتمبر 2026 10:55 صـ 14 ربيع آخر 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

قال رائد الاستثمار سامر شقير إن التطورات الأمنية الأخيرة المرتبطة بالممرات البحرية في البحر الأحمر وباب المندب لم تعد ملفًا جيوسياسيًا منفصلًا عن الأسواق، بعدما تحولت تكلفة التأمين والشحن وإعادة توجيه صادرات الطاقة إلى عناصر مباشرة في تقييم الأصول السعودية.

وأوضح شقير أن أهمية التنسيق الأمني الذي شهدته المنطقة تكمن، من منظور المستثمر المؤسسي، في الإشارة إلى استمرار إدارة مخاطر الممرات البحرية، وليس في اعتباره ضمانة لإزالة المخاطر. وقال إن رأس المال لا يسعّر الخبر الأمني وحده، وإنما يسعّر قدرة الاقتصاد على مواصلة التصدير، وحماية البنية التحتية، والحفاظ على سلاسل الإمداد، وتحويل الإنفاق الدفاعي المتزايد إلى قاعدة صناعية محلية.

علاوة المخاطر تنتقل من النفط إلى المسار

أشار سامر شقير إلى أن الاضطراب في البحر الأحمر غيّر طبيعة علاوة المخاطر التي يتحملها قطاع الطاقة.

فبدلًا من ظهور التأثير بالكامل في سعر النفط، أصبحت التكلفة موزعة بين التأمين الحربي، وأجور الناقلات، وإطالة مسارات الإبحار، وتوقيت التسليم، والحاجة إلى بدائل لوجستية أكثر تكلفة.

وأضاف شقير أن علاوات التأمين على السفن المرتبطة بالموانئ السعودية ارتفعت مع تصاعد المخاطر في البحر الأحمر، بينما أصبحت الموانئ والمسارات الجنوبية أكثر تعرضًا لتسعير المخاطر.

وقال شقير: «المستثمر المؤسسي لا يسعّر النفط وحده؛ يسعّر المسار الذي يحمل النفط. عندما ترتفع كلفة التأمين والشحن، تصبح مرونة التصدير أصلًا له قيمة مستقلة، وتتحول الموانئ وخطوط الأنابيب والتخزين إلى مكونات مباشرة في معادلة العائد».

وبحسب هذه القراءة، فإن علاوة المخاطر لم تعد مرتبطة فقط بتوقعات سعر برميل النفط، وإنما بقدرة المنتج على إيصال البرميل إلى السوق بأقل تكلفة وأعلى درجة من اليقين.

السعودية بين تكلفة الممر ومرونة التصدير

لفت سامر شقير إلى أن السعودية تمتلك ميزة هيكلية تتمثل في تعدد خياراتها للتصدير، لكن الحفاظ على هذه المرونة له تكلفة.

وأوضح أن خط شرق–غرب ومرافق التصدير على البحر الأحمر اكتسبت أهمية أكبر خلال فترات اضطراب الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، فيما أدت الهجمات والتهديدات إلى إعادة ترتيب مسارات الناقلات ورفع تكاليف النقل.

وأضاف شقير أن عمليات النقل من سفينة إلى أخرى وإعادة جدولة الشحنات تمثل حلولًا تشغيلية، لكنها ليست بديلًا مجانيًا؛ إذ ترتفع معها تكاليف التأمين والخدمات اللوجستية ومخاطر التأخير.

وقال: «مخاطر الممر ليست مخاطر النموذج الاقتصادي. الأولى يمكن أن تنخفض عندما تستقر الملاحة وتتحسن طبقات الحماية، أما الثانية فتتعلق بقدرة الاقتصاد السعودي على مواصلة التنويع وتحويل الإنفاق الاستثماري إلى إنتاجية وطلب خاص».

الأمن يتحول إلى سياسة صناعية

رأى سامر شقير أن التطورات الأمنية تضيف بعدًا جديدًا إلى قطاع الدفاع السعودي، الذي لم يعد يُقرأ باعتباره مجرد بند مشتريات حكومية.

وأظهرت بيانات الهيئة العامة للصناعات العسكرية وصول نسبة توطين الإنفاق العسكري إلى نحو 24.89% بنهاية 2024، مع مستهدف يتجاوز 50% بحلول 2030.

وأشار شقير إلى أن هذا المسار يفتح مجالًا أمام رأس المال الخاص في قطاعات تتجاوز المعدات العسكرية التقليدية، مثل الإلكترونيات، والبرمجيات، والبيانات، والصيانة، والمواد المتقدمة، والأمن السيبراني، والتقنيات المضادة للمسيرات.

وقال شقير: «الدولة لم تعد تشتري أمنًا جاهزًا فقط، بل تحاول تحويل جزء من فاتورة الأمن إلى قدرة تصنيع محلية. العائد الحقيقي يظهر عندما يتحول عقد التوريد إلى سلسلة إمداد، ونقل تقنية، وصيانة، وبرمجيات، وقدرة إنتاجية قابلة للتوسع».

من المشتريات إلى سلاسل القيمة

أوضح سامر شقير أن المستثمر المؤسسي الذي ينظر إلى الدفاع السعودي من زاوية قيمة العقود الحكومية فقط قد يفوّت التحول الأهم.

وأضاف شقير أن توطين الصناعات الدفاعية يخلق طلبًا على شركات أصغر تعمل في سلاسل القيمة، بما فيها الشركات المتخصصة في الاتصالات والأنظمة الإلكترونية وتحليل البيانات والخدمات الهندسية والصيانة.

وأشار إلى أن معيار الاستثمار لن يكون حجم العقد فقط، وإنما قدرة الشركة المحلية على الاحتفاظ بالقيمة داخل المملكة، وتطوير الملكية التقنية، وبناء قاعدة عملاء تتجاوز عقدًا حكوميًا واحدًا.

وبذلك يتحول الإنفاق الدفاعي تدريجيًا من تدفق مالي إلى أصل صناعي يمكن أن يدعم الوظائف والتصدير ونمو الشركات المحلية.

الطاقة والشحن تحت إعادة التسعير

قال سامر شقير إن قطاع الطاقة يواجه في الوقت نفسه معادلة مزدوجة: ارتفاع قيمة أمن البنية التحتية من جهة، وزيادة تكلفة التصدير البحري من جهة أخرى.

وأوضح أن المنتج الذي يمتلك أكثر من مسار للتصدير أو قدرة أكبر على التخزين وإعادة توجيه الشحنات يتمتع بميزة في بيئة ترتفع فيها المخاطر.

وأضاف شقير أن هذه الميزة يمكن أن تظهر في تقييم شركات الطاقة واللوجستيات قبل أن تظهر في البيانات المالية، لأن الأسواق عادة ما تبدأ بتسعير قدرة الأصل على امتصاص الصدمة قبل ظهور أثرها الكامل في الأرباح.

وأشار إلى أن ارتفاع أجور الناقلات والتأمين يضغط على هوامش بعض أطراف سلسلة الطاقة، لكنه قد يخلق في المقابل دورة إيرادات لمقدمي خدمات التأمين وإعادة التأمين والأمن البحري والتخزين.

المستثمر المؤسسي يعيد رسم خريطة الانكشاف

وأوضح سامر شقير أن المؤسسات الاستثمارية لا تحتاج إلى اتخاذ موقف شامل من السوق السعودية بسبب المخاطر البحرية، وإنما إلى فصل الأصول بحسب درجة حساسيتها للممرات التجارية.

وقال إن الأصول المرتبطة بالطلب المحلي والتحول الرقمي تختلف في حساسيتها عن الشركات التي تعتمد بصورة مباشرة على حركة التصدير البحري.

كما أن شركات الدفاع وسلاسل الإمداد المحلية قد تستفيد من استمرار الاستثمار في الأمن والتوطين، بينما تواجه الشركات الأكثر اعتمادًا على التجارة البحرية الدولية حساسية أكبر لتكاليف التأمين والشحن.

وقال شقير: «المرحلة الحالية لا تكافئ المستثمر الذي يختار بين التفاؤل والتشاؤم. تكافئ من يعرف أين تقع الحساسية الفعلية للمخاطر داخل سلسلة القيمة».

صندوق الاستثمارات العامة وتغيير هوامش الأولوية

لفت سامر شقير إلى أن ارتفاع المخاطر الأمنية لا يعني تغيير مسار التنويع السعودي، لكنه يمكن أن يعيد ترتيب الأولويات داخل الإنفاق الاستثماري.

وأوضح أن مشروعات الطاقة والصناعة وسلاسل الإمداد والتقنيات والبنية التحتية قد تمتلك مبررات أقوى للاستمرار في بيئة أمنية مشددة، بينما تحتاج المشروعات الأكثر اعتمادًا على حركة السفر أو الإمدادات البحرية إلى تسعير أكثر تحفظًا للمخاطر.

وأضاف شقير أن السؤال بالنسبة للمستثمر لم يعد فقط: كم ستنفق السعودية؟ وإنما: أين يذهب الإنفاق، وما مقدار رأس المال الخاص الذي يستطيع جذبه؟

المخاطر التي لا يحلها التنسيق الأمني

شدد سامر شقير على أن التنسيق الأمني لا يلغي مخاطر السوق، موضحًا أن قدرة الجهات غير الحكومية على رفع تكلفة الملاحة تعني أن علاوة المخاطر يمكن أن تبقى مرتفعة حتى مع عدم اتساع نطاق المواجهة، كما أن تزامن اضطراب البحر الأحمر مع مضيق هرمز يمكن أن يرفع تكاليف الشحن والتأمين بصورة أكبر.

وأضاف شقير أن هناك تحديًا آخر يتمثل في توطين الصناعات الدفاعية؛ إذ إن رفع نسبة المحتوى المحلي لا يعتمد على حجم الإنفاق وحده، بل على قدرة الشركات السعودية على بناء منتجات تنافسية ونقل التقنية وتطوير سلاسل إمداد مستقلة.

السيناريوهات وإعادة بناء المحافظ

في السيناريو الأساسي، بحسب قراءة شقير، يستمر التوتر عند مستوى يرفع تكاليف النقل والتأمين من دون تعطيل الصادرات بالكامل، بما يحافظ على علاوة المخاطر في الطاقة والشحن ويواصل دعم الطلب على حلول الحماية والأمن.

وفي السيناريو الإيجابي، تؤدي تهدئة قابلة للتحقق في البحر الأحمر وباب المندب إلى تراجع تدريجي في علاوات التأمين وعودة بعض مسارات التجارة إلى مستويات أكثر طبيعية، بما يخفف الضغط على المنتجين وشركات النقل والمستوردين.

أما السيناريو الأكثر ضغطًا فيتمثل في تزامن اضطرابات البحر الأحمر مع مضيق هرمز، وهو ما قد يرفع تكلفة الشحن والتأمين ويضغط على هوامش التصدير ويؤخر بعض قرارات الاستثمار الخاص.

الأفق الاستراتيجي

خلص سامر شقير إلى أن الرسالة الاستثمارية الأساسية من التطورات الأمنية الأخيرة ليست أن المخاطر اختفت، وإنما أن إدارة المخاطر أصبحت جزءًا من تقييم الأصول السعودية نفسها.

وقال شقير: «لا ينبغي أن يبني المستثمر محفظته على افتراض أن الأمن مضمون، ولا على افتراض أن الأزمة ستتوسع بلا نهاية. المطلوب هو تسعير احتمالات متعددة: مسارات التصدير، تكلفة التأمين، قدرة البنية التحتية على امتصاص الصدمات، ونضج سلاسل الصناعات الدفاعية».

وأضاف أن رأس المال طويل الأجل خلال دورة 2026 سيحتاج إلى الفصل بين الأصول المرتبطة بالطلب المحلي والتحول الهيكلي، وتلك التي تعتمد على انسيابية الممرات البحرية، مع مراقبة انتقال الإنفاق الدفاعي من مشتريات خارجية إلى قاعدة صناعية محلية.

وبذلك، لا تصبح التطورات الأمنية مجرد خبر في المشهد الجيوسياسي، بل متغيرًا ماليًا يدخل في نماذج تقييم الطاقة واللوجستيات والتأمين والدفاع وتخصيص رأس المال في السعودية.