سامر شقير: عوائد السندات الأمريكية تواجه اختبارًا مع تجاوز الدين 40 تريليون دولار
قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن تجاوز إجمالي الدين العام الأمريكي حاجز 40 تريليون دولار في منتصف أغسطس 2026، مسجلًا مستوى قياسيًا جديدًا، يعكس تسارع العجز الهيكلي وارتفاع تكاليف خدمة الدين، ويفرض ضغوطًا متزايدة على أسواق السندات وأسعار الفائدة طويلة الأجل وتدفقات رأس المال العالمية.
وأوضح شقير أن الدين ارتفع بنحو 3.8 تريليون دولار منذ بداية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، ليقترب من 123% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يطرح أمام المستثمرين المؤسسيين تساؤلات حول استدامة الدولار كملاذ آمن، وإعادة توزيع المحافظ بين الأصول الأمريكية والبدائل في الأسواق الناشئة والاقتصادات الخليجية.
وأضاف شقير أن هذا التطور يأتي وسط عجز مالي يتجاوز تريليوني دولار سنويًا، مدفوعًا بتكاليف الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، وارتفاع مدفوعات الفائدة التي تجاوزت تريليون دولار في السنة المالية الجارية، إلى جانب آثار التخفيضات الضريبية والإنفاق المرتبط بالتوترات الجيوسياسية.
حلقة الديون تضغط على أسواق السندات
وأشار سامر شقير إلى أن الدين الأمريكي ينمو بوتيرة أسرع من الناتج المحلي الإجمالي، في ظل عجز هيكلي مزمن، بينما وصلت مدفوعات الفائدة الصافية إلى مستويات تاريخية.
وأوضح شقير أن هذه التطورات تخلق حلقة تغذية مرتدة؛ فارتفاع الدين يؤدي إلى زيادة تكاليف الاقتراض، التي تضخم بدورها العجز وتدفع إلى مزيد من إصدارات الخزانة، لافتًا إلى أن عوائد سندات الخزانة لأجل 30 عامًا وصلت إلى مستويات لم تشهدها منذ نحو عقدين، بالتزامن مع منافسة متزايدة من إصدارات الشركات المرتبطة بتمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وأكد شقير أن هذا المسار يعيد تشكيل معادلة العائد والمخاطر للأصول المقومة بالدولار، قائلًا: «عندما تتجاوز تكاليف خدمة الدين قدرة الاقتصاد على توليد فوائض مستدامة، يبدأ المستثمرون المؤسسيون في تسعير علاوة مخاطر إضافية على الأجل الطويل، حتى لو بقي الطلب قصير الأجل قويًا».
وأضاف شقير أن الدين المحتفظ به من جانب الجمهور، وهو المقياس الأكثر أهمية للمستثمرين، تجاوز 32 تريليون دولار، وهو المستوى الذي يحدد بصورة أكبر حجم الضغط الواقع على عوائد السوق.
الخزانة تنافس الشركات على السيولة
وقال سامر شقير: إن تجاوز حاجز 40 تريليون دولار عزز المخاوف بشأن ما يمكن وصفه بـ«حلقة الديون»، حيث يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة تكاليف التمويل للحكومة والشركات في الوقت نفسه.
وأوضح شقير أن إصدارات الخزانة أصبحت تنافس سندات الشركات الكبرى، خصوصًا في قطاع التكنولوجيا، على السيولة المتاحة في الطرف الطويل من منحنى العائد.
وأشار شقير إلى أن وزارة الخزانة لجأت إلى زيادة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل في محاولة لدعم السيولة، إلا أن أثر هذه الإجراءات ظل محدودًا أمام استمرار المعروض المرتفع من أدوات الدين.
وأضاف شقير أن هذه البيئة ترفع تكلفة الفرصة البديلة أمام المستثمرين الدوليين، ومن بينهم صناديق الخليج، للاحتفاظ بسندات الخزانة، وتدفعهم إلى البحث عن أصول توفر عوائد حقيقية أعلى أو تنويعًا جغرافيًا أكبر.
وقال شقير: «إن السيولة العالمية لم تعد تتدفق تلقائيًا نحو الأصول الأمريكية عند أي مستوى عائد؛ فالمستثمرون يقارنون اليوم العائد المعدل بالمخاطر مع الفرص في الأسواق التي تتمتع بفوائض مالية واستراتيجيات تنويع واضحة».
إعادة بناء المحافظ المؤسسية
وأوضح سامر شقير أن مديري الأصول وصناديق التقاعد يواجهون تحديًا مزدوجًا يتمثل في الحفاظ على العائد المطلوب في بيئة أسعار فائدة مرتفعة، وفي الوقت نفسه إدارة مخاطر التركّز في الدين السيادي الأمريكي.
وأشار شقير إلى أن استمرار العجز قد يؤدي إلى زيادة المعروض من سندات الخزانة، بما قد يبقي العوائد مرتفعة أو يدفعها إلى مستويات أعلى إذا تراجع الطلب الأجنبي.
وقال شقير: إن أسعار الفائدة المرتفعة قد تدعم الدولار على المدى القصير، لكنها تزيد تكلفة التمويل على الشركات الأمريكية وتضغط على تقييمات الأسهم الحساسة للفائدة، خصوصًا قطاعات النمو والتكنولوجيا.
وأكد شقير أن «الاستثمار المؤسسي الناجح في المرحلة الحالية يتطلب تقليص الاعتماد المفرط على افتراض استمرارية الدور الاحتياطي المطلق للدولار، والانتقال تدريجيًا نحو محافظ تجمع بين الأصول الحقيقية والبنية التحتية والأسواق ذات الفوائض الهيكلية».
وأضاف أن الصناديق السيادية التي تمتلك مرونة في توجيه رأس المال نحو مشاريع طويلة الأجل داخل اقتصاداتها المحلية تتمتع بميزة نسبية، لأنها تستطيع تحويل المخاطر العالمية إلى فرص محلية مدعومة بسياسات تنويع واضحة.
الخليج ورؤية 2030 في دائرة الاهتمام
وقال سامر شقير: إن ارتفاع الدين الأمريكي والتقلبات المصاحبة في عوائد السندات يفتحان مجالًا لإعادة توجيه جزء من تدفقات رأس المال نحو المشاريع المرتبطة بـرؤية السعودية 2030 وصناديق الاستثمار السيادية.
وأوضح شقير أنه في الوقت الذي تواجه فيه الولايات المتحدة ضغوطًا متزايدة على الاستدامة المالية، تتمتع المملكة باحتياطيات قوية وقدرة على تمويل مشاريع البنية التحتية والسياحة والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي دون الاعتماد المفرط على الاقتراض الخارجي بالوتيرة نفسها، مشيرًا إلى أن سياسات صندوق الاستثمارات العامة والجهود الرامية إلى جذب الاستثمار الأجنبي المباشر وتعزيز سوق الأسهم السعودية تدعم هذا التحول.
وأكد شقير أن «التوترات في أسواق الدين الأمريكية تجعل من الاقتصادات الخليجية التي تجمع بين الاستقرار المالي والرؤية التنموية طويلة الأجل وجهات أكثر جاذبية لتخصيص رأس المال الاستراتيجي، خاصة في القطاعات التي تولد تدفقات نقدية مستقرة وترتبط بالتحول الرقمي والطاقة».
مخاطر ممتدة على الأسواق العالمية
وأوضح سامر شقير أن الخطر الرئيسي يتمثل في استمرار ارتفاع العوائد طويلة الأجل، بما يرفع تكلفة التمويل العالمي ويضغط على الأسواق الناشئة المثقلة بالديون المقومة بالدولار.
وأضاف شقير أن أي تدهور في الثقة قد يؤدي إلى زيادة التقلبات في أسواق العملات والسلع، بينما قد تظل سندات الخزانة جذابة في المقابل إذا نجحت السياسات الاقتصادية في احتواء التضخم واستقرت أسعار النفط، باعتبارها أدوات توفر السيولة والأمان النسبي.
وأشار إلى أن السيناريو الأساسي يتمثل في استمرار ارتفاع الدين كنسبة من الناتج، الأمر الذي يتطلب من المستثمرين المؤسسيين تعزيز مرونة محافظهم من خلال زيادة الوزن النسبي للأصول البديلة والعقارات والبنية التحتية والشركات ذات الميزانيات القوية في الاقتصادات التي تتمتع بنمو هيكلي.
نقطة تحول في تخصيص رأس المال
واختتم سامر شقير بأن تجاوز الدين الأمريكي حاجز 40 تريليون دولار يمثل نقطة تحول في تسعير المخاطر السيادية العالمية، وليس مجرد رقم رمزي.
وقال شقير: إن السؤال بالنسبة للمستثمرين المؤسسيين وصناديق الثروة لم يعد يتعلق بحجم الدين وحده، وإنما بكيفية إعادة بناء المحافظ لتكون أكثر قدرة على تحمل بيئة تتسم بعجز مزمن وأسعار فائدة أعلى، مؤكدًا أن الفرصة تكمن في الجمع بين الانضباط في إدارة مخاطر السيادة المالية الأمريكية والاستفادة من ديناميكيات النمو في الاقتصادات التي تمتلك فوائض واستراتيجيات واضحة للتنويع.
وأضاف شقير أن تخصيص رأس المال خلال السنوات المقبلة سيظل مدفوعًا بمقارنة العوائد المعدلة بالمخاطر بين الأصول الأمريكية والفرص المتاحة في الشرق الأوسط وآسيا، مشيرًا إلى أن الصناديق التي تبني محافظ أكثر توازنًا جغرافيًا وقطاعيًا ستكون في وضع أفضل للاستفادة من التحولات الهيكلية في أسواق المال العالمية، بعيدًا عن الاعتماد الأحادي على مسار الدين السيادي الأمريكي.
