سامر شقير: فجوة الدين العام بين الاقتصادات العربية تُعيد تشكيل خريطة الاستثمار
أكَّد رائد الاستثمار سامر شقير، أنَّ ارتفاع نسب الدين الحكومي في عدد من الاقتصادات العربية خلال عام 2026 يمثل عاملًا رئيسيًّا في إعادة تشكيل قرارات تخصيص رأس المال من جانب المستثمرين المؤسسيين وصناديق الثروة السيادية، مشيرًا إلى أن الفارق المتزايد بين الدول ذات الأعباء المالية المرتفعة والاقتصادات التي تمتلك مساحات مالية أوسع أصبح أحد المحددات الأساسية لجاذبية الأسواق خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح سامر شقير، أن أحدث توقعات صندوق النقد الدولي تشير إلى تسجيل خمس اقتصادات عربية نسب دين حكومي إجمالي إلى الناتج المحلي تتجاوز 80% خلال عام 2026، بقيادة السودان بنسبة تصل إلى 169.1% والبحرين بنسبة 152.4%، تليهما مصر بنسبة 84.9% وتونس بنسبة 84.9% والأردن بنسبة 81.8%.
وأشار سامر شقير، إلى أن هذه المستويات لا تمثل مجرد مؤشرات مالية، بل تعكس اختلافًا جوهريًّا في قدرة الاقتصادات على مواجهة الصدمات الخارجية وتمويل الاستثمارات الإنتاجية، موضحًا أن الأسواق ذات الدين المرتفع تواجه تحديات مرتبطة بتكاليف الاقتراض والسيولة، بينما تستفيد الاقتصادات ذات المراكز المالية الأقوى من قدرة أكبر على جذب الاستثمارات طويلة الأجل.
وقال سامر شقير: إن إجمالي الديون في الاقتصادات العربية الخمس الأعلى من حيث نسبة الدين يبلغ نحو 628 مليار دولار مقابل ناتج محلي مجمع يقترب من 649 مليار دولار، وهو ما يوضح حجم الضغوط المالية التي تواجه بعض الأسواق، خاصة في ظل استمرار ارتفاع أسعار الفائدة العالمية وتغير شهية المستثمرين تجاه المخاطر.
وأضاف سامر شقير، أن الفجوة بين هذه الاقتصادات ودول الخليج ذات المستويات المنخفضة من الدين أصبحت عامعجز الميزانية السعودية يتقلص إلى أدنى مستوى في 7 فصول.
سامر شقير يقرأ تأثير أسعار النفط والحرب على تخصيص رأس المال
سجلت الميزانية السعودية عجزًا قدره 34.3 مليار ريال في الربع الثاني من 2026، هو الأدنى منذ سبعة فصول، بعد أن انخفض بنحو 91.4 مليار ريال مقارنة بالربع الأول الذي بلغ فيه العجز 125.7 مليار ريال. جاءت هذه النتيجة مدفوعة بارتفاع الإيرادات النفطية بنسبة 22% على أساس سنوي إلى 185.1 مليار ريال، في وقت ارتفعت فيه أسعار النفط العالمية بفعل التوترات الجيوسياسية في المنطقة، رغم انكماش الاقتصاد السعودي بنسبة 4.8% مدفوعًا بتراجع النشاط النفطي.
يحمل هذا التطور دلالات مباشرة على استدامة المالية العامة وقدرة المملكة على مواصلة الإنفاق الاستراتيجي في إطار رؤية 2030 دون استنزاف الاحتياطيات.
ويرى رائد الاستثمار سامر شقير، أن تقلص العجز بهذه الوتيرة يعكس مرونة مالية تتيح للمستثمرين المؤسسيين إعادة تقييم تدفقات رأس المال نحو القطاعات غير النفطية والمشاريع طويلة الأجل.
السياق الاقتصادي والمالي
أظهرت بيانات وزارة المالية أن إجمالي الإيرادات بلغ 338.8 مليار ريال في الربع الثاني، بارتفاع 12% مقارنة بالفترة المماثلة من 2025، بينما سجلت المصروفات 373.1 مليار ريال بزيادة 11%، وساهمت الإيرادات غير النفطية بنسبة تقارب 45% من الإجمالي بعد أن نمت 3% إلى 153.7 مليار ريال.
جاء هذا التحسن في الإيرادات النفطية رغم الانكماش الحاد في النشاط النفطي بنسبة 24.7%، نتيجة اضطرابات في صادرات النفط المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز تقريبًا منذ اندلاع الأعمال العسكرية في أواخر فبراير، وانكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 4.8% على أساس سنوي، مسجلًا أكبر تراجع فصلي منذ جائحة كورونا، بينما نمت الأنشطة غير النفطية 0.6% فقط.
خلال النصف الأول بلغ العجز التراكمي 160 مليار ريال، وتم تمويله بالكامل عبر الاقتراض دون السحب من الاحتياطيات الحكومية التي استقرت عند نحو 399 مليار ريال، وارتفع الدين العام إلى حوالي 1.685 تريليون ريال بنهاية يونيو، مقارنة بـ1.519 تريليون في نهاية 2025.
قراءة المستثمرين المؤسسيين
بالنسبة لصناديق الثروة السيادية ومديري الأصول، يمثل انخفاض العجز الفصلي إشارة إيجابية على قدرة المملكة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية دون التخلي عن أولويات الإنفاق الرأسمالي، فقد استمر الإنفاق على البنية التحتية والنقل والصحة والتنمية الاجتماعية بمعدلات مرتفعة، بما يتوافق مع أهداف التنويع الاقتصادي.
أكد سامر شقير، "أن المستثمر المؤسسي ينظر اليوم إلى الميزانية السعودية ليس فقط من زاوية العجز المطلق، بل من زاوية القدرة على الحفاظ على الاحتياطيات وتمويل العجز عبر أسواق الدين بأسعار تنافسية"، مضيفًا أن الحفاظ على الاحتياطيات يعزز الثقة في الجدارة الائتمانية ويفتح الباب أمام تدفقات إضافية إلى سوق الصكوك والسندات السعودية.
في الوقت نفسه، يشير انكماش الناتج النفطي إلى استمرار الاعتماد الهيكلي على عائدات الطاقة في المدى القصير، رغم التقدم في الإيرادات غير النفطية، وهذا يفرض على مديري المحافظ موازنة التعرض بين القطاعات الدفاعية والقطاعات المرتبطة برؤية 2030 مثل السياحة واللوجستيات والتكنولوجيا.
تخصيص رأس المال والفرص الاستثمارية
مع تقلص العجز الفصلي، تتجه الأنظار إلى كيفية توجيه الفوائض المحتملة في النصف الثاني إذا استمرت أسعار النفط مرتفعة، من المرجح أن يستمر التركيز على المشاريع ذات العائد طويل الأجل ضمن الاستراتيجية الوطنية للاستثمار وصندوق الاستثمارات العامة.
ويرى سامر شقير، أن التخصيص الأمثل لرأس المال في هذه المرحلة يكمن في القطاعات التي تستفيد من الإنفاق الحكومي المستمر وتتمتع بمرونة أمام التقلبات النفطية، مثل البنية التحتية الرقمية والرعاية الصحية والخدمات اللوجستية، ويلاحظ أن استمرار تمويل العجز عبر الدين دون المساس بالاحتياطيات يرسل إشارة واضحة بأن المملكة تفضل الحفاظ على هوامش أمان مالية، وهو أمر إيجابي لتقييمات الأصول السعودية في أسواق الأسهم والدين.
على صعيد الأسواق العالمية، قد يدعم استقرار المالية العامة السعودية تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو المشاريع الكبرى، خاصة مع توقعات صندوق النقد الدولي بنمو الناتج المحلي الإجمالي 1.7% في 2026 قبل أن يتسارع إلى 5.5% في 2027، مدعومًا بتعافي الأنشطة غير النفطية.
المخاطر والسيناريوهات
تبقى المخاطر الجيوسياسية مرتفعة، أي تصعيد إضافي في المنطقة قد يضغط مجددًا على أحجام الصادرات النفطية، حتى لو ارتفعت الأسعار، كما أن ارتفاع تكاليف التمويل، التي سجلت زيادة ملحوظة في الربع الثاني، قد يحد من مرونة الاقتراض إذا استمرت أسعار الفائدة العالمية مرتفعة.
في المقابل، إذا استقرت أسعار النفط فوق المستويات الحالية واستمرت الإيرادات غير النفطية في النمو، فقد ينخفض العجز السنوي عن التقديرات الأولية البالغة 165.4 مليار ريال، مما يعزز القدرة على تسريع مشاريع التنويع.
الآفاق الاستراتيجية
من منظور الاستثمار المؤسسي، يعزز تقلص عجز الربع الثاني الثقة في الإطار المالي السعودي كمنصة مستقرة لتخصيص رأس المال طويل الأجل.
وأشار سامر شقير، إلى أن المرحلة المقبلة ستتطلب من المستثمرين التركيز على الشركات والمشاريع القادرة على تحويل الإنفاق الحكومي إلى نمو مستدام في الإيرادات غير النفطية، بعيدًا عن الاعتماد الدوري على دورات أسعار النفط.
في هذا السياق، تظل السعودية وجهة مفضلة لصناديق الاستثمار التي تبحث عن مزيج من الاستقرار الكلي والفرص الهيكلية المرتبطة برؤية 2030، شريطة أن يستمر التوازن بين الإنفاق التنموي والانضباط المالي، لا مؤثرًا في إعادة توجيه تدفقات رأس المال، حيث تسجل السعودية نسبة دين تقارب 32% من الناتج المحلي، والإمارات نحو 31%، بينما تتمتع معظم دول مجلس التعاون الخليجي بهوامش مالية تمنحها قدرة أكبر على تمويل مشاريع التنمية والتحول الاقتصادي.
وأوضح سامر شقير، أن ارتفاع الدين العام في بعض الدول العربية جاء نتيجة تراكمات مرتبطة بعجز الموازنات وتراجع الإيرادات أو تداعيات الأزمات الخارجية، مشيرًا إلى أن السودان يمثل حالة استثنائية بسبب تأثيرات الصراع المستمر منذ عام 2023، بينما تواجه البحرين تحديات مرتبطة بارتفاع تكاليف خدمة الدين والاعتماد النسبي على التمويل الخارجي.
وأشار شقير، إلى أن مصر تمتلك أكبر رصيد دين من حيث القيمة المطلقة بين هذه الاقتصادات، عند مستويات تقارب 374 مليار دولار، إلا أنها تعمل على خفض النسبة تدريجيًّا عبر الإصلاحات المالية وزيادة النمو وتحسين كفاءة الإنفاق، مدعومة ببرامج التعاون مع المؤسسات المالية الدولية.
وأكد سامر شقير، أن دول الخليج تمتلك وضعًا مختلفًا بفضل انخفاض نسب الدين مقارنة بحجم اقتصاداتها، حيث توفر هذه المستويات مساحة مالية تسمح بتمويل المشاريع الاستراتيجية ودعم برامج التنويع الاقتصادي دون ضغوط تمويلية حادة.
وقال سامر شقير: "الأسواق التي تحافظ على نسب دين أقل من 40% تمتلك قدرة أكبر على استيعاب الصدمات الخارجية دون الحاجة إلى تقليص الإنفاق الاستثماري، وهذا يجعلها أكثر جاذبية لتخصيص رأس المال طويل الأجل من قبل الصناديق السيادية ومديري الأصول".
وأوضح شقير، أن تأثير مستويات الدين يظهر بشكل مباشر في أسواق السندات السيادية، حيث تواجه الدول ذات الأعباء المرتفعة ارتفاعًا في هوامش العائد على السندات، مما يرفع تكلفة التمويل على الحكومات والشركات المحلية المرتبطة بها.
وأضاف سامر شقير، أن المستثمرين المؤسسيين أصبحوا أكثر انتقائية في أسواق الدخل الثابت، مع ميل متزايد نحو الاقتصادات التي تتمتع بتصنيفات ائتمانية أقوى وسيولة أعمق وقدرة أكبر على إدارة الدورات الاقتصادية.
وأشار شقير، إلى أن انعكاسات الدين لا تقتصر على أسواق السندات، بل تمتد إلى أسواق الأسهم والاستثمار الخاص، حيث تؤثر تكلفة التمويل المرتفعة على تقييمات الشركات وهوامش الربحية، خصوصًا في القطاعات التي تعتمد على الاقتراض المكثف.
وأوضح سامر شقير، أن الاقتصادات الخليجية تستفيد من هذا التباين عبر جذب المزيد من الاستثمارات نحو قطاعات البنية التحتية والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية، مدفوعة بوجود صناديق سيادية تلعب دورًا محوريًّا في توجيه رأس المال نحو المشاريع ذات القيمة المضافة العالية، قائلًا: "إن المملكة العربية السعودية تمثل نموذجًا واضحًا لهذا التحول، حيث يتيح انخفاض نسبة الدين مقارنة بحجم الاقتصاد مساحة أكبر لتنفيذ المشاريع المرتبطة برؤية 2030، بما يشمل التصنيع والسياحة والاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة".
وأضاف شقير: "الفرص الاستثمارية الحقيقية في 2026 تكمن في الاقتصادات التي تجمع بين مساحة مالية واسعة وإصلاحات هيكلية مستمرة، وهو ما يجعل السعودية والإمارات في مقدمة الوجهات الجاذبة لرأس المال المؤسسي في المنطقة".
وأكد سامر شقير، أن المستثمرين الذين يركزون على العائد المعدل بالمخاطر أصبحوا ينظرون بشكل متزايد إلى قوة المراكز المالية وقدرة الحكومات على تنفيذ خطط التنويع باعتبارها عوامل حاسمة في تحديد جاذبية الأسواق.
وأوضح شقير، أن ارتفاع نسب الدين في بعض الاقتصادات العربية يزيد من حساسيتها تجاه تغيرات أسعار الفائدة العالمية وتقلبات أسعار الطاقة، مشيرًا إلى أن استمرار البيئة النقدية المشددة قد يؤدي إلى زيادة حصة خدمة الدين من الإيرادات الحكومية وتقليص القدرة على تمويل المشاريع الإنتاجية.
وقال شقير: "إدارة المخاطر في المنطقة تتطلب اليوم تمييزًا دقيقًا بين الدول التي تمتلك مسارًا واضحًا لخفض الدين من خلال النمو والإصلاحات، وتلك التي تعتمد بشكل أكبر على إعادة الجدولة أو الدعم الخارجي".
وأشار شقير، إلى أن الأسواق ذات الدين المرتفع قد تقدم فرصًا بعوائد أعلى في حال نجاح برامج الإصلاح، لكنها تحمل في الوقت نفسه مخاطر أكبر، بينما توفر الاقتصادات ذات المراكز المالية الأقوى استقرارًا أكبر وقدرة أعلى على بناء مراكز استثمارية طويلة الأجل.
وأكد شقير، أن عامي 2026 و2027 سيشهدان استمرار إعادة ترتيب أولويات المستثمرين في المنطقة، مع زيادة التركيز على الأسواق القادرة على الجمع بين الاستقرار المالي والنمو الهيكلي.
واختتم سامر شقير تصريحاته قائلًا: "تخصيص رأس المال في المنطقة العربية خلال السنوات المقبلة سيعتمد بشكل متزايد على القدرة على قراءة المسارات المالية طويلة الأجل، وليس على المؤشرات اللحظية فقط، الاقتصادات التي تمتلك رؤية تنموية واضحة ومرونة مالية ستكون الأكثر قدرة على جذب الاستثمارات العالمية وتحقيق قيمة مستدامة للمستثمرين".
