سامر شقير: تحذير صندوق النقد يضع الجزائر أمام منعطف اقتصادي حاسم.. والإصلاح المالي أصبح ضرورة
قال رائد الاستثمار سامر شقير إن تحذير صندوق النقد الدولي بشأن الحاجة إلى تنفيذ تصحيح مالي كبير في الجزائر يعكس دخول الاقتصاد الجزائري مرحلة تتطلب قرارات استراتيجية للحفاظ على الاستقرار المالي والاحتياطيات الأجنبية، رغم استمرار تحقيق معدلات نمو إيجابية.
وأوضح شقير أن توقعات الصندوق تشير إلى نمو الاقتصاد الجزائري بنسبة 3.8% خلال عام 2026 بعد تسجيل 3.9% في 2025، إلا أن استمرار العجز المالي وتمويله عبر السحب من الاحتياطيات والتمويل من البنك المركزي يفرض ضرورة الإسراع في الإصلاحات الهيكلية لضمان استدامة النمو وفتح آفاق جديدة للتنويع الاقتصادي.
وأضاف أن المشهد الذي يتوسطه تمثال الأمير عبد القادر في قلب الجزائر العاصمة يجسد رمزية تاريخية تعكس اليوم تحدياً اقتصادياً جديداً، يتمثل في الانتقال من اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الإيرادات الهيدروكربونية إلى اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على مواجهة التقلبات العالمية.
الاقتصاد الجزائري أمام اختبار جديد
وأشار سامر شقير إلى أن نتائج مشاورات المادة الرابعة التي أجراها صندوق النقد الدولي أكدت أن الاقتصاد الجزائري لا يزال يحتفظ بزخم نمو جيد مقارنة بالعديد من الاقتصادات الناشئة، إلا أن هذا النمو لا يخفي الضغوط المتزايدة على المالية العامة.
وأضاف شقير أن الصندوق شدد على أن استمرار العجز المالي بالمستويات الحالية سيؤدي إلى تراجع الاحتياطيات الأجنبية وارتفاع الدين العام، الذي بلغ 52.1% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، وهو ما يقلص هامش المناورة أمام الحكومة مستقبلاً.
وأكد أن الرسالة الأساسية للصندوق تتمثل في أن الإصلاح لم يعد خياراً مؤجلاً، بل أصبح ضرورة لضمان الاستقرار الاقتصادي على المدى المتوسط والطويل.
ماذا يعني التصحيح المالي؟
وأوضح سامر شقير أن مفهوم التصحيح المالي لا يعني تبني سياسات تقشفية واسعة، وإنما تنفيذ إصلاحات متدرجة تحقق التوازن بين حماية النمو والمحافظة على الاستقرار المالي.
وقال شقير إن هذه الإصلاحات تشمل توسيع القاعدة الضريبية وتحسين كفاءة التحصيل، خاصة في القطاعات غير النفطية، إلى جانب ترشيد منظومة الدعم بصورة تدريجية مع الحفاظ على شبكات الحماية الاجتماعية، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي، وتحفيز الاستثمار الخاص والاستثمار الأجنبي المباشر لزيادة الإيرادات غير الهيدروكربونية.
وأشار إلى أن هذه الإجراءات أصبحت أكثر إلحاحاً في ظل استمرار الضغوط على الحساب الجاري والاحتياطيات الأجنبية.
الاحتياطيات الأجنبية تمثل خط الدفاع الأول
وأكد سامر شقير أن الاحتياطيات الأجنبية تمثل أحد أهم عناصر الاستقرار الاقتصادي في الجزائر، لما توفره من قدرة على تمويل الواردات ودعم استقرار سعر صرف الدينار ومواجهة تقلبات أسواق الطاقة العالمية.
وأضاف شقير أن استقرار الأسواق المحلية والقطاع التجاري والخدمي يرتبط بصورة مباشرة بقوة الاحتياطيات الأجنبية، مشيراً إلى أن أي تراجع سريع فيها قد ينعكس على سعر الصرف وثقة المستثمرين والقدرة على تمويل المشروعات التنموية.
النمو الحالي يحتاج إلى محركات جديدة
وأوضح سامر شقير أن تحقيق نمو بنسبة 3.8% يعد مؤشراً إيجابياً، لكنه قد لا يكون كافياً لتوفير فرص العمل المطلوبة واستيعاب الأعداد المتزايدة من الشباب الداخلين إلى سوق العمل.
وأضاف شقير أن استمرار اعتماد الاقتصاد على قطاع المحروقات يجعل معدلات النمو أكثر عرضة لتقلبات أسعار النفط والغاز، وهو ما يفرض ضرورة تنويع مصادر الدخل وزيادة مساهمة القطاعات الإنتاجية الأخرى في الناتج المحلي.
التنويع الاقتصادي يمثل الفرصة الأكبر
ورأى سامر شقير أن الجزائر تمتلك مقومات قوية تؤهلها لتسريع مسار التنويع الاقتصادي، بدءاً من مواردها الطبيعية الضخمة، مروراً بإمكاناتها في الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، ووصولاً إلى الثروات التعدينية والزراعة والسياحة.
وأشار شقير إلى أن تطوير المدن التاريخية والمواقع التراثية، ومنها ميدان الأمير عبد القادر، يمكن أن يصبح جزءاً من استراتيجية أوسع لتنشيط السياحة الثقافية والاقتصاد الإبداعي، بما يعزز مساهمة القطاعات غير النفطية في النمو.
وأكد أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب بيئة اقتصادية مستقرة قادرة على جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.
فرص الشراكة مع دول الخليج
وقال سامر شقير إن التجربة الخليجية في تنويع الاقتصاد، خاصة في المملكة العربية السعودية ضمن رؤية 2030، تقدم نموذجاً يمكن أن تستفيد منه الجزائر في تسريع الإصلاحات الاقتصادية.
وأضاف شقير أن نجاح الجزائر في تنفيذ الإصلاح المالي وتحسين بيئة الأعمال سيفتح المجال أمام شراكات استراتيجية مع صناديق الثروة السيادية الخليجية في مجالات الطاقة المتجددة، والبنية التحتية، والسياحة، والصناعات التحويلية.
كما أكد أن استقرار الاقتصاد الجزائري لا يمثل أهمية محلية فقط، بل ينعكس أيضاً على أمن الطاقة الأوروبي واستقرار منطقة شمال أفريقيا.
سامر شقير: الإصلاح المبكر أقل تكلفة
وأشار سامر شقير إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تنفيذ الإصلاحات، وإنما في تأخيرها، موضحاً أن استمرار العجز المالي لفترات أطول سيؤدي إلى استنزاف الاحتياطيات وارتفاع مستويات الدين، وهو ما سيقلص الخيارات الاقتصادية مستقبلاً.
وأضاف أن الإصلاح المبكر يمنح صناع القرار مساحة أكبر لإدارة التحول الاقتصادي بصورة تدريجية دون ضغوط مالية حادة.
أبرز المخاطر
وأوضح سامر شقير أن أبرز المخاطر تتمثل في استمرار تراجع الاحتياطيات الأجنبية، وارتفاع مستويات الدين العام، وتأخر تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، إضافة إلى استمرار الاعتماد الكبير على عائدات النفط والغاز في ظل تقلبات الأسواق العالمية.
كما أشار إلى أن ضعف مساهمة القطاع الخاص قد يؤخر تحقيق معدلات النمو المطلوبة لخلق فرص العمل وتحسين مستويات المعيشة.
الفرص الاستثمارية
وأكد سامر شقير أن المرحلة الحالية تتيح فرصاً استثمارية كبيرة في الطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والتعدين، والزراعة، والسياحة الثقافية، إلى جانب مشروعات البنية التحتية والشراكات بين القطاعين العام والخاص.
وأضاف شقير أن المستثمرين المؤسسيين وصناديق الثروة السيادية قد يجدون في الجزائر سوقاً واعدة إذا ترافقت الإصلاحات المالية مع تحسين بيئة الاستثمار وتعزيز الحوكمة.
التوجيه الاستراتيجي للمستثمرين
واختتم سامر شقير بالتأكيد على أن المستثمرين ينبغي أن يراقبوا عن كثب الخطوات التي ستتخذها الحكومة الجزائرية خلال المرحلة المقبلة، خاصة فيما يتعلق بالإصلاحات المالية، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، وتحسين كفاءة الإنفاق العام.
وأشار شقير إلى أن الجزائر تمتلك جميع المقومات اللازمة لتحقيق تحول اقتصادي ناجح، لكن نجاح هذه المرحلة سيعتمد على سرعة تنفيذ الإصلاحات وقدرتها على استقطاب الاستثمارات طويلة الأجل.
وأضاف أن تمثال الأمير عبد القادر، الذي يجسد تاريخ الصمود والقيادة، يمكن أن يصبح رمزاً لمرحلة اقتصادية جديدة، إذا نجحت الجزائر في تحويل مواردها الطبيعية وإمكاناتها البشرية إلى اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة، قادر على تحقيق النمو وجذب رؤوس الأموال لعقود قادمة.
