سامر شقير: الاستثمار الجريء في السعودية ينتقل من سباق الصفقات إلى انتقاء الشركات
قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن سوق الاستثمار الجريء في المملكة العربية السعودية يشهد مرحلة تصحيح طبيعية تعكس انتقاله من التركيز على النمو السريع إلى التركيز على جودة الشركات وكفاءة تخصيص رأس المال، وذلك بعد تراجع قيمة التمويلات خلال النصف الأول من عام 2026 إلى 219 مليون دولار مقارنة مع 853 مليون دولار في الفترة نفسها من عام 2025، بانخفاض بلغ 74%، وفقًا لبيانات منصة ماجنيت.
وأوضح شقير، أن عدد الصفقات انخفض أيضًا بنسبة 41% ليصل إلى 72 صفقة، في حين حافظ قطاع التقنية المالية على موقعه كأكبر القطاعات جذبًا للاستثمار، بعدما استحوذ على 67% من إجمالي التمويلات.
وأضاف شقير، أن هذا التراجع لا يعكس ضعفًا في السوق، وإنما يمثل نهاية مرحلة الذروة التي شهدها عام 2025، وبداية مرحلة أكثر انتقائية في تخصيص رأس المال، حيث أصبح المستثمرون المؤسسيون يفضلون الشركات ذات نماذج الأعمال القابلة للتوسع، والمسارات الواضحة نحو الربحية، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 لبناء اقتصاد رقمي مستدام.
التصحيح جاء رغم استمرار الزخم الاقتصادي
وأشار سامر شقير، إلى أن هذا التصحيح تزامن مع استمرار المملكة في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وتوسيع قاعدة الشركات الناشئة، بدعم من سياسات البنك المركزي السعودي، وصندوق الاستثمارات العامة، والشركة السعودية للاستثمار الجريء.
وأوضح شقير، أن العامل الرئيسي وراء الانخفاض تمثل في غياب الصفقات الكبرى التي تجاوزت 100 مليون دولار، والتي كانت قد شكلت جزءًا كبيرًا من تمويلات عام 2025، في الوقت الذي أظهرت فيه قطاعات ناشئة مثل برمجيات الشركات والزراعة مرونة نسبية وقدرة على مواصلة النمو.
السوق يعيد ترتيب أولويات المستثمرين
وأكد سامر شقير، أن الاقتصاد السعودي واصل خلال النصف الأول من عام 2026 تحقيق نمو في الإيرادات غير النفطية، إلى جانب استمرار الإنفاق الرأسمالي المرتبط بمشروعات رؤية 2030، إلا أن بيئة الاستثمار الجريء على المستويين الإقليمي والعالمي أصبحت أكثر حذرًا.
وأضاف شقير، أن دولة الإمارات تصدرت أسواق المنطقة بقيمة تمويلات بلغت 895 مليون دولار، بينما جاءت السعودية في المرتبة الثانية من حيث قيمة التمويلات، مع احتفاظها بحصة كبيرة من إجمالي عدد الصفقات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وأشار شقير، إلى أن السوق السعودية سجلت رقمًا قياسيًّا خلال عام 2025 بلغ نحو 1.72 مليار دولار، مدعومًا بجولات تمويل ضخمة في قطاعي التقنية المالية والتجارة الإلكترونية، بينما شهد عام 2026 تحولًا واضحًا نحو تمويل المراحل المبكرة والمتوسطة، مع غياب شبه كامل لجولات السلسلة B وما بعدها.
وقال شقير: إن السوق تمر بمرحلة نضج طبيعية بعد سنوات من النمو المتسارع، موضحًا أن المستثمرين المؤسسيين أصبحوا يركزون على جودة الأصول وقدرة الشركات على تحقيق تدفقات نقدية مستدامة، بدلًا من مطاردة التقييمات المرتفعة، وهو ما يعزز بناء محافظ استثمارية أكثر صلابة على المدى الطويل.
التقنية المالية حافظت على الصدارة
وأوضح سامر شقير، أن قطاع التقنية المالية واصل هيمنته على السوق بعدما استحوذ على تمويلات بلغت 147 مليون دولار، أي ما يعادل نحو ثلثي إجمالي الاستثمارات، رغم تراجع التمويلات فيه بنسبة 41% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وأشار شقير، إلى أن أبرز الجولات شملت شركة «مدفوع» بقيمة 26 مليون دولار، و«ستيتش» بقيمة 25 مليون دولار، و«ساي فاي» بقيمة 20 مليون دولار.
وأضاف شقير، أن استمرار جاذبية القطاع يعود إلى البيئة التنظيمية المتطورة التي وفرتها مبادرة «فنتك السعودية»، إلى جانب النمو المتواصل في الطلب على حلول المدفوعات، والتمويل المدمج، والخدمات المصرفية الرقمية.
برمجيات الشركات تسجل أعلى معدلات النمو
وأشار سامر شقير، إلى أن قطاع برمجيات الشركات كان أحد أبرز الرابحين خلال النصف الأول من العام، بعدما سجل نموًا بنسبة 194% لتصل التمويلات إلى 27 مليون دولار.
وأوضح شقير، أن هذا النمو جاء مدعومًا بجولات استثمارية في شركات مثل «غوفرناتا» و«ريسكواد» و«ساين ات»، بما يعكس الطلب المتزايد من المؤسسات الكبرى على حلول الحوكمة، والامتثال، والإنتاجية، بالتزامن مع تسارع التحول الرقمي في القطاعين الحكومي والخاص.
وأشار شقير، إلى أن قطاع التجارة الإلكترونية والتجزئة سجل تراجعًا حادًا بنسبة 98% لتقتصر التمويلات على 7 ملايين دولار، نتيجة غياب الصفقات الكبرى التي ميزت السنوات السابقة.
وأضاف شقير، أن قطاع الزراعة حقق نموًا بنسبة 96% ليصل إلى 5 ملايين دولار، مدعومًا بالاهتمام المتزايد بالأمن الغذائي والتقنيات الزراعية، بينما تراجع قطاع الخدمات العقارية بنسبة 58% إلى المستوى نفسه.
وأكد شقير، أن هذا التوزيع القطاعي يحمل دلالات استراتيجية مهمة، موضحًا أن التقنية المالية لا تزال تمثل العمود الفقري للمنظومة، بينما يعكس النمو القوي في برمجيات الشركات تحولًا متزايدًا نحو حلول B2B ذات القيمة المضافة المرتفعة، وهو ما يوفر فرصًا أفضل لتحقيق عوائد معدلة بالمخاطر خلال الدورة الحالية.
رأس المال المحلي يقود المرحلة الحالية
وقال سامر شقير: إن البيانات أظهرت تحولًا واضحًا نحو زيادة مساهمة المستثمرين السعوديين في تمويل الشركات الناشئة مقارنة بالعام السابق، في ظل استمرار الشركة السعودية للاستثمار الجريء وصناديق أخرى مدعومة حكوميًّا في ضخ السيولة داخل المراحل المبكرة.
وأضاف شقير، أن نشاط المستثمرين الدوليين تراجع نسبيًّا نتيجة ارتفاع المخاطر الجيوسياسية في المنطقة، بينما تزامن ذلك مع تطورات مهمة في أسواق المال السعودية، من بينها توسيع مشاركة المستثمرين الأجانب في السوق الرئيسية، ونمو نشاط الملكية الخاصة، مشيرًا إلى أنه من المتوقع أن تلعب صناديق الاستثمار الجريء المحلية دورًا أكبر في سد الفجوة التمويلية للشركات خلال مراحل النمو.
الانتقاء أصبح أهم من حجم الاستثمار
وأكد سامر شقير، أن بيئة انخفاض السيولة المخصصة للصفقات الكبرى تجعل الانتقاء الدقيق أكثر أهمية من حجم الاستثمار نفسه.
وأضاف شقير، أن الصناديق التي تركز على قطاعات التقنية المالية المتقدمة، وبرمجيات المؤسسات، والتقنيات الزراعية المرتبطة بالأمن الغذائي، ستكون في موقع أفضل للاستفادة من الانتعاش المتوقع خلال النصف الثاني من العام وما بعده.
فرص واعدة رغم استمرار التحديات
وأشار سامر شقير، إلى أن السوق لا يزال يواجه عددًا من التحديات، في مقدمتها استمرار الحذر الإقليمي، وتأخر جولات التمويل الخاصة بمراحل النمو، والحاجة إلى تحسين مسارات التخارج، في ظل غياب عمليات تخارج بارزة مدعومة برأس المال الجريء خلال الفترة الماضية.
وأكد شقير، أن الفرص الاستثمارية ما تزال قوية، مدعومة بتوسع قاعدة الشركات الناشئة، واستمرار الدعم الحكومي، والتركيز الوطني على الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.
وأضاف شقير، أن تحسن الظروف الاقتصادية الكلية واستئناف الجولات المؤجلة، خصوصًا في القطاعات المرتبطة بمبادرات صندوق الاستثمارات العامة والمشروعات الكبرى، قد يدفع السوق إلى انتعاش تدريجي خلال النصف الثاني من عام 2026.
رؤية استثمارية مستقبلية
واختتم سامر شقير حديثه بالتأكيد على أن سوق الاستثمار الجريء السعودي دخل مرحلة أكثر نضجًا، انتقل فيها التركيز من النمو الكمي السريع إلى بناء شركات أكثر جودة وقدرة على المنافسة إقليميًا وعالميًا.
وأشار شقير، إلى أن قطاع التقنية المالية سيظل المحرك الرئيسي للسوق، بينما تبرز برمجيات الشركات والزراعة باعتبارهما من أبرز القطاعات الواعدة للتخصيص الاستثماري خلال المرحلة المقبلة، مؤكدًا أن المستثمرين الذين يتعاملون مع هذه المرحلة باعتبارها فرصة لإعادة بناء محافظهم الاستثمارية على أسس أكثر قوة، مع التركيز على الحوكمة، والربحية، والقدرة على التوسع، سيكونون الأكثر قدرة على تحقيق قيمة طويلة الأجل في الاقتصاد السعودي المتنوع.
وأضاف شقير، أن الدورة الحالية لا تمثل نهاية الزخم الاستثماري، وإنما بداية مرحلة أكثر استدامة، مؤكدًا أن السوق السعودية ستظل أحد أكثر أسواق المنطقة جاذبية للاستثمار الجريء على المدى المتوسط، شريطة أن يتحول الانتقاء الحالي إلى شركات أكثر صلابة وقدرة على جذب رأس المال العالمي في الدورات المقبلة.
