×

سامر شقير يكتب: حين يصبح المستثمر عدو نفسه.. مونتييه وما كشفه انهيار السوق السعودية في 2006

الأحد 4 أكتوبر 2026 11:46 صـ 21 ربيع آخر 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

لم تكن الخسارة الكبرى في انهيار سوق الأسهم السعودية عام 2006 مجرد تراجع حاد في أسعار الأسهم، بل كانت أيضًا نتيجة خلل في طريقة اتخاذ القرار الاستثماري. فعندما يتحول ارتفاع الأسعار إلى مبرر للشراء، وتتراجع أهمية تقييم الشركات أمام إغراء الأرباح السريعة، يصبح المستثمر أكثر عرضة للمخاطر التي يصنعها بنفسه.

تقدم هذه التجربة مدخلًا لفهم الأفكار التي يناقشها جيمس مونتييه في كتابه The Little Book of Behavioral Investing، حيث لا تنبع الأخطاء المالية دائمًا من نقص المعلومات، وإنما قد تنتج عن انحيازات نفسية تدفع الإنسان إلى تفسير الوقائع بما يتفق مع توقعاته المسبقة.

فبراير 2006.. القمة التي سبقت الانهيار

في 25 فبراير 2006، بلغ مؤشر السوق المالية السعودية «تاسي» مستوى 20,634.86 نقطة، مسجلًا قمة تاريخية آنذاك. وفي اليوم التالي بدأ الهبوط، قبل أن تنتهي السنة بخسارة تقارب 65% من قيمة المؤشر مقارنة بذروته.

تكشف هذه الأرقام حجم التصحيح، لكنها لا تفسر وحدها أسبابه. فالسؤال الأكثر أهمية هو كيف تمكنت توقعات المستثمرين من الانفصال تدريجيًا عن قدرة الشركات على تحقيق الأرباح التي تبرر تقييماتها.

خلال المراحل الأولى من الصعود، يمكن أن تعكس زيادة الأسعار تحسن النشاط الاقتصادي أو ارتفاع الإيرادات. غير أن استمرار المكاسب لا يعني بالضرورة بقاء مبرراتها. وعندما ترتفع التقييمات بوتيرة تتجاوز نمو الأرباح، تصبح السوق أكثر حساسية لأي تغير في التوقعات أو السيولة.

عندما تحل توقعات الآخرين محل التحليل

يظهر سلوك القطيع عندما يستمد المستثمر قناعته من قرارات المحيطين به بدلًا من دراسة الأصل الذي ينوي شراءه. وقد تعزز هذا السلوك في الأسواق الصاعدة؛ إذ تمنح قصص الأرباح السريعة انطباعًا بأن المشاركة في موجة الشراء أكثر أمانًا من البقاء خارجها.

لكن انتشار قرار معين لا يثبت صحته. فكل عملية شراء ينبغي أن تستند إلى تصور واضح لقيمة الشركة، ومصادر دخلها، ومخاطر أعمالها، والسعر الذي يجعل الاستثمار مجديًا.

وفي تحليله لتصحيح أسواق الأسهم الخليجية، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن الارتفاعات السابقة في بعض الأسواق استفادت من تحسن الأرباح المرتبط بزيادة أسعار النفط، بينما شهدت المرحلة اللاحقة توقعات مفرطة بشأن نمو أرباح الشركات، بالتزامن مع توسع ائتمان الأسر وعوامل شجعت على المخاطرة.

يكمن الفارق هنا بين ارتفاع تدعمه نتائج اقتصادية قابلة للقياس وآخر يعتمد على افتراض أن الطلب سيظل قويًا مهما ارتفعت الأسعار. وفي الحالة الثانية، تصبح استمرارية الصعود شرطًا ضمنيًا لصحة الاستثمار، رغم أن هذا الشرط لا يمكن ضمانه.

الرافعة المالية تقلص هامش الخطأ

لا تتساوى نتائج القرار الخاطئ لدى جميع المستثمرين. فمن يستخدم مدخراته يستطيع، ضمن حدود قدرته المالية وسلامة استثماره، الانتظار حتى تتضح الصورة. أما من يعتمد على الاقتراض، فقد يضطر إلى تصفية أصوله لتغطية التزاماته قبل أن تتاح له فرصة التعافي.

لهذا لا تقتصر إدارة المخاطر على اختيار شركات جيدة، بل تشمل أيضًا تحديد حجم الاستثمار، وضبط المديونية، والاحتفاظ بسيولة تتناسب مع الالتزامات المتوقعة. فالأصل الذي يمتلك مقومات النمو قد يظل استثمارًا غير مناسب إذا كان تمويله يضع صاحبه تحت ضغط زمني لا يستطيع تحمله.

وتكشف هذه النقطة أهمية الفصل بين تقييم الفرصة وتحديد القدرة على تمويلها. فالعائد المحتمل لا يعوض تلقائيًا مخاطر التعثر، كما أن الاقتناع بقيمة أصل على المدى الطويل لا يحمي المستثمر من البيع الاضطراري في الأجل القصير.

سوق أكثر تطورًا لا تعني اختفاء الأخطاء البشرية

تختلف السوق السعودية اليوم عن نظيرتها في 2006 من حيث التنظيم والبنية المؤسسية وتوافر المعلومات والأدوات الاستثمارية. ومع ذلك، تظل القرارات المالية متأثرة بعوامل نفسية مثل النفور من الخسارة، والثقة المفرطة، والخوف من تفويت الفرص.

ولا تعني هذه الحقيقة أن تكرار الانهيار أمر حتمي، أو أن كل ارتفاع في الأسعار ينذر بفقاعة. إنما تشير إلى ضرورة فحص الأسس التي يقوم عليها الصعود، والتمييز بين تحسن أداء الشركات وبين المبالغة في تقدير مستقبلها.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة للمستثمر طويل الأجل؛ لأن جودة القرار لا تُقاس بما يحققه خلال أيام الصعود، وإنما بمدى اتساقه مع قيمة الأصل وقدرة صاحبه على تحمل السيناريوهات غير المتوقعة.

الانضباط يبدأ قبل تنفيذ الصفقة

تجنب الأخطاء السلوكية لا يتطلب التنبؤ بموعد الانهيار، بل وضع قواعد واضحة قبل دخول السوق. ويشمل ذلك تحديد مبررات الشراء، وتقدير القيمة العادلة، وفحص المخاطر المالية، وتوزيع الاستثمارات بما يقلل الاعتماد على أصل أو قطاع واحد.

كذلك ينبغي أن يكون لكل قرار معيار يمكن مراجعته عند ظهور معلومات جديدة. فإذا تغيرت أساسيات الشركة، وجب إعادة تقييم الاستثمار؛ وإذا اقتصر التراجع على حركة سعرية مؤقتة، فلا يصح اتخاذ القرار بناءً على الخوف وحده.

إن تجربة 2006 لا تقدم وصفة لتجنب كل خسارة، لكنها توضح أن غياب المنهج يجعل المستثمر أكثر عرضة للتصرف تحت ضغط الحماس أو القلق. وتلك مشكلة يمكن الحد منها بالتحليل المستقل، حتى إن تعذر التحكم في اتجاهات السوق.

أخطر لحظة في الاستثمار هي أن تفقد القدرة على تبرير قرارك بعيدًا عن حركة الأسعار. فإذا كان سبب الشراء الوحيد أن الآخرين يشترون، فقد تنازلت عن مسؤولية الحكم على القيمة، وتركت أموالك رهينة لتوقعات لا تملك السيطرة عليها.