سامر شقير: الاستثمار المصرفي في 2026 يحسمه موقع الفرع وجودة الأصول
قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن ارتفاع عدد فروع البنوك العاملة في السعودية إلى 1929 فرعًا بنهاية النصف الأول من 2026 يمثل تحولًا في طريقة توزيع الخدمات المصرفية داخل الاقتصاد، وليس تراجعًا عن مسار الرقمنة، موضحًا أن البنوك تتجه إلى نموذج هجين يجمع بين المعاملات الرقمية والحضور المادي في المناطق التي يتولد فيها الطلب على الائتمان والاستثمار.
وبحسب البيانات الواردة في التحليل، ارتفع عدد الفروع بمقدار 19 فرعًا خلال النصف الأول من العام مقارنة بنهاية 2025، ليصل إلى أعلى مستوى منذ 2021، بعد سنوات من تقليص الشبكة، ويأتي ذلك بالتزامن مع وصول أصول البنوك إلى نحو 4.81 تريليون ريال، وارتفاع الودائع إلى نحو 3.15 تريليون ريال، فيما بلغت الأرباح المجمعة للبنوك المدرجة 48.82 مليار ريال خلال النصف الأول من العام.
ويرى سامر شقير أن دلالة الأرقام لا تكمن في عدد الفروع وحده، وإنما في العلاقة بين التوسع المادي ودورة الائتمان المرتبطة بالمشروعات الكبرى والتمويل العقاري وتمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة وإدارة الثروات.
وقال سامر شقير: "الفرع في دورة 2026 لم يعد وحدة تكلفة ثابتة، بل خيارًا حقيقيًّا على الاقتصاد المادي لرؤية 2030: رهن عقاري في أحياء جديدة، وتمويل مقاول في موقع مشروع، وإدارة ثروة لعميل ينتقل إلى الرياض، وعلاقة مصرفية مع منشأة صغيرة لا يكفي تطبيقها الجوال لإقراضها".
وأضاف سامر شقير أن قراءة التوسع على أنه عودة إلى النموذج المصرفي التقليدي تتجاهل التطور الكبير في المدفوعات والخدمات الرقمية، مشيرًا إلى أن الاستخدام الأمثل للفرع أصبح مرتبطًا بالصفقات التي تتطلب قرارًا ائتمانيًّا أو علاقة طويلة الأجل، بينما تستمر التطبيقات والمنصات الرقمية في إدارة المعاملات المتكررة.
وتتركز الشبكة المصرفية بصورة كبيرة في الرياض ومكة المكرمة والمنطقة الشرقية، التي تستحوذ مجتمعة على 1337 فرعًا من أصل 1929 فرعًا، وتضم الرياض 597 فرعًا، ومكة المكرمة 390، والمنطقة الشرقية 350، تليها عسير بـ124 فرعًا والقصيم بـ117 فرعًا والمدينة المنورة بـ101 فرع.
ويرى سامر شقير أن هذا التركز يعكس طبيعة النشاط الاقتصادي في هذه المناطق، حيث ترتبط الرياض بالمقار الإقليمية والخدمات المالية والعقارية، ومكة المكرمة بالحج والعمرة والسياحة والضيافة، بينما ترتبط المنطقة الشرقية بالطاقة والصناعة والخدمات اللوجستية والتمويل التجاري.
وقال شقير: إن المستثمر المؤسسي يجب ألا يتعامل مع جميع الفروع باعتبارها أصولًا متساوية، موضحًا أن الفرع في منطقة تشهد نموًا سكانيًّا وعقاريًّا وصناعيًّا يختلف اقتصاديًّا عن فرع في سوق أكثر تشبعًا.
وفي الوقت نفسه، لم يتراجع المسار الرقمي. فقد بلغت حصة المدفوعات الإلكترونية من عمليات التجزئة 85 بالمئة بنهاية 2025، فيما وصل عدد شركات التقنية المالية إلى 371 شركة بحلول أغسطس 2026، ما يعكس اتساع المنافسة أمام البنوك التقليدية.
وقال سامر شقير: "رأس المال المؤسسي سيفرق في 2026 بين بنك يوسع شبكته لأنه يملك طلبًا ائتمانيًّا يمكن تسعيره، وبنك يوسعها دفاعًا عن حصته في سوق يتآكل هامشه".
وعلى مستوى البنوك، يظهر التوسع متفاوتًا بين المؤسسات، مع احتفاظ مصرف الراجحي والبنك الأهلي السعودي بأكبر شبكات الفروع، بينما تتبع بنوك أخرى سياسة أكثر انتقائية في التوسع أو تركز على الكفاءة التشغيلية والقنوات الرقمية.
ويرى سامر شقير أن هذه الاختلافات ستدفع المستثمرين إلى التركيز على جودة نمو القروض والودائع، وتكلفة التمويل، والدخل من الرسوم وإدارة الثروات، وقدرة الفروع الجديدة على توليد أصول ذات عائد مناسب، بدلًا من تقييم البنوك وفقًا لعدد نقاط البيع فقط.
أما على صعيد رأس المال الجريء والأسهم الخاصة، فيرى أن الفرص تمتد إلى البنية التكنولوجية المحيطة بالقطاع، بما في ذلك حلول الامتثال، وتحليل الائتمان باستخدام الذكاء الاصطناعي، وأنظمة الفروع الذكية، ومنصات خدمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
وحذر سامر شقير من أن عودة الفروع لا تعني بالضرورة بداية دورة توسع طويلة، مشيرًا إلى مخاطر تباطؤ الائتمان، وارتفاع تكلفة الودائع، وتغير سوق الإسكان، وزيادة المنافسة من البنوك الرقمية وشركات التقنية المالية، قائلًا: "الاستثمار في السعودية خلال ما تبقى من العقد لن يحسم بين الرقمي والتقليدي، بل بين مَن يمتلك بيانات العميل ومَن يمتلك علاقته الائتمانية، الفروع التي تفتتح اليوم رابحة فقط إذا تحولت إلى مصانع قرار ائتماني، لا إلى واجهات رخامية".
واختتم سامر شقير بأن الصورة المستقبلية للقطاع المصرفي السعودي لن تكون عودة إلى نموذج ما قبل 2019، بل إعادة توزيع للمواقع والقنوات وفقًا لخريطة النمو الاقتصادي، مؤكدًا أن السؤال الاستثماري الأهم ليس كم عدد الفروع، وإنما أين أضيفت، وما حجم الأصول والائتمان الذي يمكن أن تولده، وكيف ستنعكس على العائد على حقوق المساهمين، مضيفًا: "الفرع لم ينتصر على التطبيق، والاقتصاد الحقيقي هو الذي فرض على القطاع أن يعود إلى الأرض حيث يتخذ قرار التمويل".
