×

عندما تصبح الفوضى فرصة.. سامر شقير يقرأ «Antifragile»

الأربعاء 23 سبتمبر 2026 10:56 صـ 10 ربيع آخر 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

قال رائد الاستثمار سامر شقير إن كتاب «Antifragile» لنسيم نقولا طالب لا يقدم وصفة تقليدية للصمود أمام الأزمات، بل يميز بين النظام الهش الذي ينكسر تحت الضغط، والمتين الذي يتحمل الصدمة، ومضاد الهشاشة الذي يمكن أن يتحسن عندما يرتفع التقلب ضمن حدود يمكن تحمّلها.

وأوضح شقير أن هذا التمييز اكتسب أهمية استثمارية في 2026، مع بقاء تكلفة رأس المال أعلى مما اعتادته الأسواق خلال عقد ما بعد الأزمة، وتداخل سلاسل الإمداد مع السياسات الصناعية والذكاء الاصطناعي. وقال إن السؤال بالنسبة إلى المستثمر المؤسسي لم يعد فقط مقدار الخسارة المحتملة، بل ما إذا كانت المؤسسة تملك سيولة وخيارية تسمح لها بالاستفادة من الصدمة دون أن تخرج من السوق.

الكفاءة الزائدة تصنع هشاشة خفية

وأشار سامر شقير إلى أن طالب بنى فكرته على أن محاولة إزالة كل أشكال التذبذب قد تنتج هشاشة أكبر، لأن النظام الذي لا يتعرض لضغوط صغيرة لا يتدرب على تحمل الصدمات النادرة.

وأضاف شقير أن هذه الآلية تظهر في الرفع المالي الهادئ، وسلاسل التوريد التي جرى تحسين مخزونها حتى آخر وحدة، والتقييمات التي تفترض استمرار التدفقات النقدية من دون انقطاع تنظيمي أو تقني.

وأوضح أن مضاد الهشاشة يختلف عن إدارة المخاطر التقليدية؛ فهو لا يكتفي بحساب الخسارة المتوقعة، بل يبحث عما إذا كانت الوحدة الاقتصادية تخرج من الصدمة بمعلومات أفضل أو حصة سوقية أكبر أو شروط تمويل أقوى.

الخيارية هي الأصل الحقيقي

وقال سامر شقير إن بعض الأنظمة يمكن أن تستفيد من الفوضى، ليس لأنها تبحث عن الأزمات، وإنما لأنها تمتلك خيارية تسمح لها بالتحرك عندما يضطر الآخرون إلى الانكماش.

وتشمل هذه الخيارية النقد، والطاقة الإنتاجية الفائضة، والبراءات، وعلاقات التوزيع، والقدرة على إعادة التسعير. وأشار إلى أن اضطرابات سلاسل الإمداد في مطلع العقد أظهرت كيف استطاعت شركات احتفظت بمخزون استراتيجي أو بموردين متعددي الجغرافيا إعادة التفاوض على العقود والاستحواذ على حصة من منافسين أكثر اعتماداً على نموذج «في الوقت المناسب».

وفي الطاقة، أضاف شقير أن الكيانات التي جمعت بين تدفقات نقدية من الوقود التقليدي وقدرة على تمويل مشاريع انتقالية امتلكت خيارية لم تتوافر لمن ربط نموه بسعر نفط واحد أو بسياسة دعم واحدة.

استراتيجية «الباربل» ضد الوسط الهش

وأوضح سامر شقير أن طالب طرح استراتيجية «Barbell» التي تجمع بين أصول شديدة التحفظ، مثل السيولة والأدوات عالية الجودة قصيرة الأجل، ورهانات محدودة الخسارة على فرص ذات عائد غير متماثل.

وقال شقير إن الخطر يكمن أحياناً في «الوسط المعتدل الزائف»: أصول متوسطة المخاطر تبدو متوازنة، لكنها تحمل رافعة خفية وتنتهي بالتعرض للذيل نفسه عند إعادة تسعير الفائدة أو وقوع أزمة ائتمانية قطاعية.

وفي الأسهم الخاصة ورأس المال الجريء، يترجم ذلك إلى تجنب «التنويع المسرحي» عبر عشرات الصفقات المتشابهة في الدورة نفسها، مع الحفاظ على انضباط حجم الخسارة واحتياطي يسمح بإعادة الاستثمار بعد الانخفاضات.

عبر السلب.. القوة فيما نحذف

وأشار سامر شقير إلى مفهوم «Via Negativa»، أي أن بناء القوة قد يبدأ بإزالة مصادر الهشاشة بدلاً من إضافة طبقات جديدة من التعقيد.

ويشمل ذلك خفض الرافعة الزائدة، وتقليل الاعتماد على عميل واحد أو سوق تنظيمي واحد، وإزالة نماذج الإيرادات التي لا تعمل إلا مع تكلفة رأس مال تقترب من الصفر.

وأضاف شقير أن جزءاً من إعادة الهيكلة بعد دورة التشديد النقدي لم يكن قصة نمو جديدة، بل إزالة هشاشة تراكمت خلال سنوات التمويل الرخيص، مثل التعهدات العقارية المرتبطة بتمويل قصير، وخطط التوسع التي افترضت استمرار الهوامش، وحوكمة لا تربط المكافأة ببقاء المؤسسة بعد الصدمة.

السيولة تختبر مضاد الهشاشة

وقال سامر شقير إن المستثمر المؤسسي لا يشتري «فكرة الكتاب»، وإنما يبحث عن خصائص مضادة للهشاشة داخل التدفق النقدي وهيكل الاستحقاقات والحوكمة.

وأوضح شقير أن ذلك يعني في الدخل الثابت الحذر من المدة الطويلة غير المعوضة، وفي الأسهم تفضيل نماذج يمكن أن تتحسن هوامشها أو حصتها عندما يرتفع الضغط التشغيلي على المنافسين، وفي الأسواق الخاصة التأكد من وجود «جلد في اللعبة» عبر التزام رأسمالي حقيقي من الشريك العام.

وأكد أن «مضاد الهشاشة يُختبر في بند السيولة قبل أن يُختبر في خطاب الاستراتيجية»، لأن المؤسسة التي تتحدث عن المرونة بينما يتركز جدول استحقاقاتها في نافذة ضيقة تبيع رواية متانة وهي تمارس هشاشة.

الخليج ورؤية 2030.. اختبار عملي

وقرأ سامر شقير التنويع الاقتصادي في السعودية والخليج باعتباره محاولة لتقليل هشاشة الناتج والمالية العامة أمام دورة سلعة واحدة، مشيراً إلى أن صندوق الاستثمارات العامة والأسواق المحلية وبرامج الصناعة والسياحة والخدمات اللوجستية والتقنية لا تلغي دورة النفط، لكنها يمكن أن تغير شكل الضرر عند انخفاض الأسعار أو تغير الطلب العالمي.

وأضاف شقير أن نجاح التنويع لا يقاس بعدد القطاعات المعلنة، بل بقدرة الأصول الجديدة نفسها على تحمل الصدمات، محذراً من مشاريع لا تعمل إلا في بيئة تمويل ميسرة، أو تجمعات تعتمد على الإنفاق الرأسمالي العام دون إنتاجية لاحقة، أو منصات رقمية تفتقر إلى وحدة اقتصادية واضحة بعد انتهاء دورة الحوافز.

الذكاء الاصطناعي والطاقة الانتقالية

وأشار سامر شقير إلى أن الطاقة الانتقالية والذكاء الاصطناعي يقدمان اختباراً إضافياً للمبدأ، لأن الرهان الأحادي على مسار تقني أو تنظيمي واحد يمكن أن يعيد إنتاج الهشاشة التي يفترض أن التنويع يلغيها.

وأوضح شقير أن البنية الأكثر اتساقاً مع منهج طالب تجمع تدفقاً نقدياً قائماً مع خيارات حقيقية على تقنيات وتطبيقات متعددة، بدلاً من محفظة من «قصص النمو» المرتبطة جميعاً بفرضية واحدة عن تكلفة رأس المال.

وأضاف أن الحوكمة تصبح هنا أهم من الشعار القطاعي، لأن المشروع الذي يخضع للمساءلة على أساس التدفق النقدي والانضباط الرأسمالي بعد الصدمة يختلف عن مشروع تتم محاسبته على الإنفاق والظهور خلال دورة الازدهار.

التكنولوجيا بين الخيارية والهشاشة

وقال سامر شقير إن المنصات التي تمتلك بيانات وتكلفة حدية منخفضة وقدرة على إطلاق خدمات جديدة من دون إعادة بناء الأصل بالكامل تقترب من مفهوم الخيارية.

لكن التقييم الذي يفترض نمواً أبدياً من دون تنظيم أو تكلفة طاقة أو منافسة يمكن أن يحول الأصل المضاد للهشاشة إلى أصل هش عبر السعر.

وأضاف شقير أن دورة الذكاء الاصطناعي تفرض سؤالاً مباشراً: من يملك البنية والتوزيع والتكلفة التشغيلية القابلة للتحمل إذا تباطأ الإنفاق الرأسمالي لدى العملاء؟ ومن يبيع الوعد نفسه من دون حاجز دفاعي؟

لا تخلط الفوضى بزيادة المخاطر

وحذر سامر شقير من تحويل مفهوم «الاستفادة من الفوضى» إلى تمجيد للأزمات أو رفع غير منضبط للمخاطر.

وقال شقير إن المحفظة التي لا تضع سقفاً للخسارة ليست مضادة للهشاشة، بل هشة تحت اسم تسويقي، مشيراً إلى أن الإفلاس قد يحدث قبل أن تصل الخيارية إلى قيمتها.

وأضاف أن ضمان الاستقرار بصورة مفرطة قد ينقل الهشاشة إلى النظام المصرفي أو دافعي الضرائب، كما حدث في دورات ائتمانية جرى خلالها التخلص من تقلبات صغيرة قبل انفجار تكلفة الإنقاذ.

وفي الشركات العائلية والصناديق السيادية، حذر من الخلط بين الأفق الطويل ورفض التصحيح، مؤكداً أن الأفق الطويل يصبح ميزة فقط عندما توجد آلية واضحة لإيقاف المشاريع الفاشلة.

إعادة تصميم تخصيص رأس المال

وأوضح سامر شقير أن الفرصة المؤسسية لا تكمن في تكرار مفردات الكتاب، بل في إعادة تصميم ثلاث طبقات: اعتبار السيولة أصلاً استراتيجياً لا بقايا، وضبط حجم المركز بحيث لا تُخرج موجة واحدة المؤسسة من اللعبة، وربط حوافز الإدارة والصندوق بقدرة المؤسسة على الصمود بعد الاضطراب لا بمجرد تضخم الأصول تحت الإدارة.

وأشار شقير إلى أن البيئات المضطربة قد تخلق بائعين مضطرين في عمليات الاندماج والاستحواذ، ما يمنح المشتري الذي دخل الدورة بميزانية غير مغلقة مساحة أكبر للتحرك، بينما تصبح الانتقائية في سوق الإصدارات أقرب إلى «عبر السلب» من مطاردة كل إدراج.

السؤال الذي يسبق كل قرار

واختتم سامر شقير قراءته بأن استمرار تكلفة رأس المال عند مستويات أعلى من عقد التمويل الرخيص، وتصاعد المنافسة الصناعية بين الكتل، وتسارع التكنولوجيا بصورة غير متساوية، قد يزيد الفارق بين الشركات المسعرة على سلاسة الماضي وتلك التي تملك قدرة فعلية على امتصاص إعادة الترتيب.

وقال شقير  إن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه لجنة الاستثمار ليس «هل نحب التقلب؟»، بل «من يدفع ثمن الذيل السالب، ومن يحتفظ بحق الذيل الموجب؟».

وأكد أن مضاد الهشاشة، عندما يتحول من استعارة فلسفية إلى قاعدة تخصيص، يعني عدم شراء الكفاءة التي تلغي هامش الأمان، وعدم رفض السيولة لأنها تخفض العائد المحاسبي الفصلي، وعدم الخلط بين التنويع الإحصائي وتنويع مصادر الخطر.

وختم شقير بأن الكتاب يصبح مفيداً عندما يتحول إلى اختبار لبنود الميزانية: الاستحقاق، والتركيز، والحوافز، والخيارية، لأن رأس المال الذي يتعامل مع الاستقرار باعتباره حقاً مكتسباً يعيد تمويل الهشاشة، بينما رأس المال الذي يدفع ثمناً معلناً لعدم التماثل يشتري الوقت والقدرة على الاستفادة من إعادة ترتيب السوق.