سامر شقير: التحولات الهيكلية في سلوك المستهلك ستُعيد توجيه رأس المال داخل الاقتصاد الرقمي
يرى سامر شقير، رائد الاستثمار، أن التحول المتزايد نحو تجارب المشاهدة الخالية من الإعلانات يمثل مؤشرًا على تغيُّر هيكلي في سلوك المستهلك داخل الاقتصاد الرقمي، ويضع نماذج الإيرادات القائمة بصورة أساسية على الإعلانات أمام تحديات جديدة تتطلب من المستثمرين إعادة تقييم مخاطر النمو وتدفقات رأس المال في قطاع المنصات الرقمية.
وقال سامر شقير، رائد الاستثمار: "المستهلك أصبح أكثر وعيًا بقيمة وقته، والمنصات التي تعتمد حصريًّا على الإعلانات تواجه اليوم معادلة صعبة بين الاحتفاظ بالجمهور وتحقيق عائد مستدام".
وأوضح سامر شقير، أن قضية المشاهدة الخالية من الإعلانات لم تعد مجرد تفضيل فردي للمستخدم، وإنما أصبحت مؤشرًا يمكن أن يؤثر في هيكل الإيرادات وتقييمات شركات التكنولوجيا الكبرى، خصوصًا المنصات التي تعتمد على حجم الجمهور ووقت الاستخدام كأساس لنمو إيراداتها الإعلانية.
وأشار سامر شقير، إلى أن يوتيوب يمثل نموذجًا رئيسيًّا لهذه المعادلة، باعتبار أن الإعلانات تشكل جزءًا مهمًا من أعمال المنصة وشركة ألفابت، وبالتالي فإن أي تغير مستدام في سلوك المستخدمين تجاه الإعلانات يمكن أن ينعكس على توقعات النمو وهوامش الإيرادات وتقييمات الشركة على المدى المتوسط.
وأوضح شقير، أن ارتفاع استخدام أدوات حظر الإعلانات وتزايد الإقبال على الاشتراكات يعكسان رغبة متزايدة لدى المستخدمين في التحكم في طبيعة التجربة الرقمية التي يحصلون عليها، مشيرًا إلى أن المنصات أمام معادلة أكثر تعقيدًا، تتمثل في تحقيق الإيرادات من دون زيادة معدلات رفض المستخدمين أو دفعهم إلى البحث عن بدائل.
وأضاف شقير، أن هذه المعادلة قد تدفع الشركات الكبرى إلى تطوير نماذج هجينة تجمع بين الإعلانات والاشتراكات، أو إلى تحسين جودة الإعلانات ومدى ملاءمتها للمستخدم، بدلًا من الاعتماد على زيادة عدد الإعلانات أو مدة عرضها، مؤكدًا أن نجاح أي منصة في المرحلة المقبلة سيعتمد بدرجة أكبر على قدرتها على تحقيق توازن بين تجربة المستخدم وقيمة المحتوى وكفاءة تحقيق الإيرادات.
وأوضح شقير، أن تخصيص رأس المال لا ينبغي أن يعتمد فقط على معدلات نمو الإيرادات التاريخية، وإنما يجب أن يأخذ في الاعتبار مدى قدرة الشركة على الحفاظ على النمو في حال تغيرت طريقة استهلاك المستخدمين للمحتوى.
وأشار شقير، إلى أن الاعتماد المرتفع على الإيرادات الإعلانية يمكن أن يمثل نقطة ضعف إذا تزامن مع زيادة استخدام أدوات حظر الإعلانات وتشدد قواعد الخصوصية وتغير تفضيلات المستخدمين.
ويرى شقير، أن الشركات التي تمتلك مصادر دخل متنوعة من الاشتراكات والإعلانات والخدمات الرقمية والتجارة الإلكترونية وغيرها قد تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات المرتبطة بتغير نموذج الإيرادات.
وقال شقير: "الاستثمار المؤسسي في المنطقة يجب أن يميز بين المنصات التي تعتمد على نموذج إعلاني تقليدي وتلك التي تطور مصادر إيرادات متنوعة، الفرص الحقيقية تكمن في الشركات التي تبني أنظمة محتوى مستدامة قادرة على التكيف مع تفضيلات المستهلك الجديدة"، مضيفًا أن الأسواق لا تعيد تسعير الشركات بسبب انخفاض الإيرادات الحالية فقط، وإنما بسبب تغير توقعات التدفقات النقدية المستقبلية.
وأشار شقير، إلى أن هذه النقطة تجعل سلوك المستهلك مؤثرًا بصورة مباشرة في التقييمات، حتى إذا لم يظهر تأثيره الكامل على القوائم المالية في المدى القصير.
وأكد شقير، أن المستثمرين سيحتاجون إلى متابعة مجموعة أوسع من المؤشرات، تشمل نمو المستخدمين، ووقت المشاهدة، ونسب التحول إلى الاشتراكات، ومعدلات استخدام أدوات حظر الإعلانات، ونمو الإيرادات لكل مستخدم، وتكلفة اكتساب العملاء، وقدرة المنصة على الاحتفاظ بالمستخدمين.
ويرى شقير، أن هذه الديناميكية قد تدفع رؤوس الأموال إلى الشركات التي توفر حلقة وصل بين حماية خصوصية المستخدم والحفاظ على كفاءة الإعلان الرقمي، مشيرًا إلى أن التحدي الرئيسي أمام هذه الشركات سيكون إثبات قدرتها على بناء نماذج أعمال قابلة للتوسع، وليس مجرد تقديم أدوات تقنية تلقى رواجًا مؤقتًا.
وأوضح شقير، أن جزءًا من الإنفاق الإعلاني العالمي قد يعاد توجيهه إلى منصات محلية أو إقليمية إذا استطاعت هذه المنصات تقديم جمهور نوعي وتجربة مستخدم أكثر توافقًا مع التفضيلات الجديدة، مؤكدًا أن نجاح هذه المنصات سيعتمد على قدرتها على تحقيق الحجم الكافي من المستخدمين مع الحفاظ على اقتصاديات تشغيلية قوية.
وأشار شقير، إلى أن المستثمرين في المنطقة يستطيعون الاستفادة من التحول العالمي عبر بناء منظومات رقمية تجمع بين المحتوى والتكنولوجيا والبنية التحتية، بدلًا من التركيز على نموذج الإعلانات وحده.
وقال شقير: "التركيز يجب أن يكون على الشركات التي تبني ميزة تنافسية مستدامة من خلال الابتكار في تجربة المستخدم وتنويع مصادر الدخل، لا على تلك التي تعتمد على نمو الإعلانات وحده".
وأضاف شقير، أن المنطقة تمتلك فرصة لبناء منصات رقمية قادرة على الاستفادة من النمو السكاني والارتفاع المستمر في استخدام الهواتف الذكية وتوسع الخدمات الرقمية.
ويرى شقير، أن البنية التحتية الرقمية تتمتع بأهمية استراتيجية لأنها تخدم مجموعة واسعة من التطبيقات، من منصات الفيديو إلى الخدمات المالية الرقمية والذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية.
وأكد شقير، أن إدارة المخاطر تتطلب تنويعًا جغرافيًّا وقطاعيًّا، مع التركيز على الشركات التي تتمتع بميزانيات عمومية قوية وقدرة مستمرة على الاستثمار في الابتكار.
وأشار شقير، إلى أن الشركات الكبرى التي تمتلك قواعد مستخدمين واسعة وموارد مالية كبيرة قد تكون قادرة على تطوير نماذج جديدة للإيرادات قبل أن يتحول الضغط على الإعلانات إلى مشكلة مالية جوهرية.
يتوقع سامر شقير أن يؤدي استمرار تفضيل المستخدمين للتجارب الخالية من الإعلانات إلى زيادة أهمية الاشتراكات والنماذج الهجينة في الاقتصاد الرقمي.
وأوضح شقير، أن الاشتراك لا يوفر فقط إيرادات متكررة، وإنما يمنح الشركات قدرة أكبر على التنبؤ بالتدفقات النقدية وتعزيز العلاقة المباشرة مع المستخدم.
وفي المقابل، يمكن للنموذج الهجين أن يسمح للمستخدم بالاختيار بين تجربة مجانية مدعومة بالإعلانات وتجربة مدفوعة خالية منها.
ويرى أن قدرة المنصة على تقديم خيارات متعددة يمكن أن تصبح ميزة تنافسية، خصوصًا مع اختلاف القدرة الشرائية والتفضيلات بين الأسواق.
كما يتوقع استمرار تدفقات رأس المال إلى الشركات التي تعمل في تقنيات الخصوصية والأمن الرقمي والإعلانات السياقية والبنية التحتية للمحتوى.
وفي السعودية والخليج، يرى شقير، أن الفرصة تتجاوز منصات المحتوى لتشمل قطاعات الاقتصاد الرقمي المرتبطة بها، مثل الخدمات المالية التقنية واللوجستيات الرقمية والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات وشبكات الاتصالات، مؤكدًا أن هذه القطاعات يمكن أن تستفيد من النمو الهيكلي في الاقتصاد الرقمي بغض النظر عن المنصة التي ستفوز في المنافسة على وقت المستخدم.
ويرى شقير، أن الشركات القادرة على الجمع بين تجربة مستخدم قوية، ومصادر إيرادات متنوعة، وخصوصية أفضل، وبنية تقنية قابلة للتوسع ستكون في موقع أقوى خلال المرحلة المقبلة.
واختتم سامر شقير بالتأكيد على أن التحول في نموذج الإعلانات لا يمثل بالضرورة تهديدًا للاقتصاد الرقمي، وإنما يعيد توزيع القيمة داخله، وينقل جزءًا من رأس المال من النماذج التقليدية إلى الاشتراكات وتقنيات الخصوصية والبنية التحتية الرقمية ومنصات المحتوى القادرة على التكيف.
