سامر شقير يكتب: مَن يمول طفرة نادك الاستثمارية؟
لم يعد الأمن الغذائي في السعودية مجرد هدف استراتيجي، بل أصبح ساحة رئيسية لتوجيه مليارات الريالات نحو بناء قدرات إنتاجية قادرة على تحقيق عوائد مستدامة، وفي هذا السياق، تكشف خطة الشركة الوطنية للتنمية الزراعية «نادك» باستثمارات رأسمالية تقارب 5 مليارات ريال عن تحول مهم في دور صناديق التنمية الحكومية، التي ستتولى تمويل الحصة الأكبر من التوسعات خلال الفترة 2027-2031.
يرى رائد الاستثمار سامر شقير أن اعتماد نادك على صندوق التنمية الزراعية وصندوق التنمية الصناعية يعكس توجهًا لإعادة توجيه رأس المال التنموي نحو القطاعات ذات الأولوية الوطنية، وفي مقدمتها الغذاء والزراعة، بما يربط التمويل الحكومي منخفض التكلفة نسبيًّا بأهداف رؤية 2030 في تعزيز الأمن الغذائي وتنويع الإيرادات.
وتكمن أهمية الخطة للمستثمرين المؤسسيين في أن أثرها المالي لن يظهر بصورة فورية، بل يتوقع أن يبدأ تدريجيًّا اعتبارًا من 2027، مع تركيز الإنفاق الرأسمالي خلال العامين الأولين، وقد يساهم هذا النموذج في خفض تكلفة التمويل مقارنة بالاعتماد الكامل على البنوك التجارية، لكنه يضع جودة التنفيذ والعوائد المتوسطة الأجل في صدارة معايير التقييم.
خطة توسع بثلاثة محركات
وافق مجلس إدارة نادك على الخطة في 2 نوفمبر 2026، وتشمل الاستثمارات ثلاثة قطاعات رئيسية تتوزع بينها المخصصات بالتساوي، وفقا لما أوضحه الرئيس التنفيذي سليمان التويجري في مقابلته مع الشرق بلومبرغ.
وتشمل القطاعات الألبان والعصائر، واللحوم الحمراء بما فيها تطوير أعمال شركة الراعي الوطنية للمواشي، إلى جانب القطاع الزراعي الذي يتضمن مشروعات في منطقة حائل.
ويعكس هذا التوزيع محاولة للموازنة بين تطوير الأنشطة الأساسية التي شكل فيها قطاع الألبان والتصنيع الغذائي نحو 86% من إيرادات 2025، وبين بناء محركات نمو جديدة في البروتين والزراعة عالية القيمة.
وأشار شقير إلى أن صناديق التنمية الحكومية أصبحت قناة مهمة لتوجيه رأس المال نحو القطاعات التي تحتاج إلى فترات استثمار طويلة، بعيدًا عن قيود التمويل التجاري التقليدي، ويظهر ذلك في تعديل اتفاقية تمويل مشروع الراعي مع صندوق التنمية الزراعية، ورفع سقف التمويل إلى 750 مليون ريال بعد إعادة تقييم الكفاءة التشغيلية.
التمويل ومخاطر التنفيذ
تقوم استراتيجية التمويل على أولوية الصناديق الحكومية، يليها التمويل من التدفقات النقدية الداخلية، ثم البنوك التجارية، بما يستهدف تحسين هيكل التكلفة وتوفير التمويل اللازم للإنفاق في 2027 و2028.
ومن المتوقع أن يبدأ الأثر المالي للمنتجات الزراعية عالية القيمة في الظهور خلال الربع الرابع من 2027، بينما قد يتضاعف تأثير قطاع اللحوم الحمراء على النتائج خلال العام نفسه، باعتباره الأسرع نموًا منذ دخول الشركة هذا السوق قبل نحو عامين.
ويرى شقير أن البروتين يمثل المحرك الأسرع للنمو في المدى القريب، مستفيدا من التوسع في المسالخ والشراكات وتطوير المنتجات ذات القيمة المضافة لقطاعي التجزئة والأعمال، بينما يظل قطاع الألبان المصدر الأساسي للتدفقات النقدية، أما الزراعة، فتحتاج إلى أفق أطول، خصوصًا مع التركيز على البيئات المحمية والتقاوي.
لكن الاعتماد الكبير على التمويل الحكومي يحمل مخاطر مرتبطة بتغير أولويات الصناديق أو تأخر تنفيذ المشروعات، فضلًا عن تقلب أسعار الأعلاف والشحن ومدخلات الإنتاج، وفي المقابل، تتيح الخطة فرصًا للتوسع في تقنيات الزراعة المحمية والمحاصيل مرتفعة القيمة، وتعزيز سلسلة القيمة في البروتين عبر المسالخ والتجهيز.
ويستحضر شقير طرح مايكل بورتر في كتابه The Competitive Advantage of Nations، بشأن بناء الميزة التنافسية من خلال تطوير الموارد والتمويل الموجه والصناعات المرتبطة والتكتلات الإنتاجية، كما يستند إلى مفهوم هامش الأمان لدى بنجامين غراهام في The Intelligent Investor، للتأكيد أن التمويل منخفض التكلفة لا يغني عن تقييم جودة الأصول والعوائد المتوقعة.
فرص خليجية وأفق استثماري طويل
لا يقتصر تأثير هذا النموذج على نادك، بل قد يشجع شركات زراعية وغذائية خليجية على الاستفادة من أدوات التمويل السيادي والتنموي لبناء قدرات إنتاجية في قطاعات الأمن الغذائي، مع توظيف الاقتصاد الرقمي والتقنيات الزراعية لرفع الإنتاجية.
وأكد شقير أن المستثمرين المؤسسيين بحاجة إلى متابعة تنفيذ الخطة خلال 2027 و2028، خصوصًا تطور قطاع البروتين ومردود الزراعة عالية القيمة، مع مراقبة تكاليف المدخلات ومواعيد إنجاز المشروعات، مشيرًا إلى أن الصبر والأفق الزمني الطويل، كما يناقش مورغان هاوسل في كتابه The Psychology of Money، يمثلان عنصرين أساسيين في تقييم الاستثمارات التي تتطلب إنفاقًا مبكرًا وعوائد تدريجية.
وفي النهاية، يرى شقير أن نموذج نادك قد يمثل فرصة استثمارية في قطاع الغذاء والزراعة السعودي، لكنه يظل رهنًا بقدرة الشركة على تحويل التمويل الحكومي إلى كفاءة تشغيلية وميزة تنافسية مستدامة، وليس مجرد زيادة في الأصول، فنجاح الخطة سيقاس بما تحققه من إنتاجية وعوائد وقدرة على المنافسة إقليميًّا، مع إدارة دقيقة للمخاطر التنفيذية والسوقية.
