أخبار 24 ساعة

آلاف الوظائف على طاولة ديزني.. سامر شقير يكشف الرهان الاستثماري وراء التخفيضات

الأربعاء 4 نوفمبر 2026 02:46 مـ 23 جمادى أول 1448 هـ
رائد الاستثمار-سامر شقير
رائد الاستثمار-سامر شقير

لم تعد معركة شركات الترفيه العالمية تقتصر على إنتاج المحتوى الأكثر جذبًا للجمهور، بل أصبحت تدور حول القدرة على تحقيق عوائد أعلى من كل دولار يتم إنفاقه، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتباطؤ نمو الاشتراكات الرقمية، وتصاعد المنافسة من منصات البث وأدوات الذكاء الاصطناعي، ومن هذا المنطلق، أرى أن اتجاه شركة والت ديزني نحو إلغاء آلاف الوظائف وإعادة هيكلة تكاليفها يمثل تحولًا استراتيجيًّا يتجاوز مجرد تقليص النفقات، ويعكس إعادة تقييم شاملة لأولويات تخصيص رأس المال في صناعة الترفيه.

تشير التقارير المنشورة، ومنها تقارير بلومبرغ، إلى أن الشركة تتجه نحو خفض آلاف الوظائف، بالتزامن مع مطالبة بعض المديرين باستهداف تخفيضات سنوية في التكاليف تصل إلى نحو 20%، وتأتي هذه الخطوات في إطار توجه الرئيس التنفيذي جوش دامارو لإعادة استثمار جزء من الوفورات في إنتاج الأفلام والبرامج التلفزيونية، والتكنولوجيا، والمتنزهات الترفيهية، والسفن السياحية.

ما يلفت انتباهي في هذه الخطوة ليس حجم الوظائف المستهدف إلغاؤها فقط، وإنما الطريقة التي تعتزم بها ديزني توظيف الوفورات الناتجة، فالشركة، التي بلغ عدد موظفيها نحو 231 ألف موظف بنهاية السنة المالية 2025، سبق أن خاضت جولات من إعادة الهيكلة، لكنها تواجه اليوم تحديًا مختلفًا يرتبط بتغير اقتصاد المحتوى نفسه، وتراجع جاذبية بعض نماذج الأعمال التقليدية أمام التحولات الرقمية.

من خفض التكاليف إلى إعادة بناء الميزة التنافسية

أعتقد أن ما يحدث في ديزني يعكس تحولًا أعمق في قطاع الترفيه العالمي، فقد أصبحت الشركات مطالبة بتحقيق معادلة صعبة تجمع بين إنتاج محتوى عالي الجودة، والسيطرة على تكاليف الإنتاج، والحفاظ على قاعدة المشتركين، في وقت لم تعد فيه زيادة الإنفاق على المحتوى تضمن بالضرورة تحقيق نمو مماثل في الإيرادات.

كما أن صعود أدوات الذكاء الاصطناعي يضيف بُعدًا جديدًا لهذه المعادلة، إذ يتيح فرصًا لخفض تكاليف بعض مراحل الإنتاج، وتسريع عمليات التطوير، وتحسين كفاءة التسويق والتوزيع، لكنني لا أرى أن الذكاء الاصطناعي يمثل بديلًا كاملًا عن القدرات الإبداعية والبشرية؛ فالقيمة الحقيقية لديزني ترتبط بقدرتها على إنتاج شخصيات وقصص وتجارب تمتلك جاذبية طويلة الأجل، وليس بمجرد خفض تكلفة إنتاجها.

ومن هنا، فإن نجاح إعادة الهيكلة يتوقف على قدرة الإدارة على التمييز بين النفقات التي يمكن تقليصها دون التأثير في جودة المنتج، والاستثمارات التي تمثل جوهر الميزة التنافسية للشركة، فتخفيض التكاليف قد يحسن النتائج المالية على المدى القصير، لكنه قد يتحول إلى عبء استراتيجي إذا طال المواهب الإبداعية أو أضعف القدرة على تطوير محتوى قادر على المنافسة.

وهنا أستحضر مفهوم هامش الأمان الذي طرحه بنجامين غراهام في كتابه «The Intelligent Investor»، فخفض النفقات يمنح الشركة مساحة أكبر لمواجهة تقلبات الإيرادات، لكنه لا يضمن وحده سلامة الاستثمار، الأهم هو جودة الأصول التي يعاد توجيه الأموال إليها، وقدرتها على توليد تدفقات نقدية مستدامة تتجاوز تكلفة رأس المال.

المتنزهات والسفن السياحية.. أين تتجه الأموال الجديدة؟

من وجهة نظري، تكمُن إحدى أهم فرص ديزني في تعزيز استثماراتها في المتنزهات الترفيهية والسفن السياحية، باعتبارها أنشطة تستند إلى أصول يصعب تقليدها، وعلامة تجارية عالمية، وتجربة مباشرة يصعب على منصات البث أو المنافسين الرقميين تقديم بديل مماثل لها.

ففي الوقت الذي تتنافس فيه منصات البث على جذب المشتركين وتقليل معدلات إلغاء الاشتراكات، تمنح المتنزهات والرحلات البحرية الشركة فرصة لتحقيق إيرادات من تجارب ترفيهية متكاملة، تجمع بين الشخصيات والعلامات التجارية والخدمات والأنشطة التفاعلية.

لكنني لا أتعامل مع هذه الأنشطة باعتبارها ملاذًا مضمونًا للنمو؛ إذ تظل مرتبطة بتكاليف التشغيل والاستثمارات الرأسمالية، والقدرة الشرائية للمستهلكين، وحركة السياحة الدولية، ومعدلات الإشغال والإنفاق داخل المتنزهات والسفن.

لذلك، أرى أن السؤال الاستثماري الأساسي ليس كم ستوفر ديزني من النفقات، بل ما العائد الذي ستحققه من إعادة استثمار هذه الوفورات، فزيادة الإنفاق على المتنزهات أو التكنولوجيا لا تمثل بالضرورة قرارًا ناجحًا ما لم تنعكس على الإيرادات التشغيلية والعائد على رأس المال المستثمر.

الذكاء الاصطناعي يعيد تسعير اقتصاد المحتوى

أعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيكون أحد العوامل الأكثر تأثيرًا في إعادة تشكيل صناعة الترفيه خلال السنوات المقبلة، فالشركات التي تستطيع دمج هذه التقنيات في عمليات الإنتاج والتحرير والمؤثرات البصرية والتسويق وإدارة المحتوى قد تتمكن من تحسين هوامش الربحية، وتسريع دورة الإنتاج، وتوجيه مواردها البشرية إلى الأنشطة الأعلى قيمة.

لكن هناك مخاطرة مقابلة تتمثل في أن الاعتماد المفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تشابه المنتجات وتراجع التميز الإبداعي، خصوصًا إذا تحولت التكنولوجيا إلى وسيلة لخفض التكاليف فقط بدلًا من استخدامها لتعزيز جودة التجربة.

وفي تقديري، لن تكون الأفضلية للشركة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي على نطاق أوسع بالضرورة، بل للشركة التي تستطيع توظيفه دون إضعاف الأصول غير الملموسة التي تمنحها قدرتها التنافسية، وفي مقدمتها الملكية الفكرية والشخصيات الشهيرة والقدرات الإبداعية والعلاقة طويلة الأجل مع الجمهور.

وهذا يفرض على المستثمرين المؤسسيين متابعة توزيع الوفورات بين ثلاثة مسارات رئيسية: تحسين الهوامش التشغيلية، وتمويل الابتكار والتكنولوجيا، وتعزيز الأصول الترفيهية ذات العائد المرتفع، فالتوازن بين هذه المسارات هو الذي سيحدد ما إذا كانت إعادة الهيكلة خطوة نحو النمو أم مجرد استجابة لضغوط الإيرادات.

إعادة تخصيص رأس المال.. الاختبار الحقيقي للإدارة

أرى أن المستثمرين يحتاجون إلى تقييم استراتيجية ديزني من خلال مجموعة من المؤشرات، لا من خلال عدد الوظائف التي ستُلغى أو نسبة التخفيض المستهدفة وحدهما، ومن أهم هذه المؤشرات تطور هامش الربح التشغيلي، والعائد على رأس المال المستثمر، والتدفقات النقدية الحرة، ومعدلات نمو إيرادات البث الرقمي، إلى جانب أداء المتنزهات والرحلات البحرية.

كما ينبغي مراقبة تأثير التخفيضات على إنتاج المحتوى، وعدد الأعمال الجديدة، وجودتها، وقدرتها على تحقيق إيرادات مستدامة، فالشركة التي توفر الأموال على حساب محركات نموها قد تحقق تحسنًا مؤقتًا في الأرباح، لكنها تخاطر بإضعاف موقعها التنافسي مستقبلًا.

وهنا يتقاطع التحليل مع ما يطرحه مورغان هاوسل في كتابه «The Psychology of Money» بشأن أهمية القرارات التراكمية والانضباط طويل الأجل في بناء القيمة، فنجاح الإدارة لا يقاس بقدرتها على تحسين النتائج في ربع مالي واحد، وإنما بمدى قدرتها على اتخاذ قرارات تحافظ على جودة الأصول وتزيد قدرتها على توليد العوائد بمرور الوقت.

ما الذي تعنيه تجربة ديزني للمستثمرين في الخليج؟

لا تقتصر أهمية هذه التجربة على المستثمرين في الأسواق الأمريكية، بل تقدم دروسًا مهمة لصناديق الاستثمار والمستثمرين في الخليج، خصوصًا مع التوسع في قطاعات السياحة والترفيه والاقتصاد الرقمي ضمن مستهدفات التنويع الاقتصادي ورؤية السعودية 2030.

فالمملكة ودول الخليج تستثمر بصورة متزايدة في الوجهات السياحية والمشروعات الترفيهية والبنية التحتية للفعاليات والتجارب السياحية، وفي هذا السياق، تصبح تجربة الشركات العالمية مثل ديزني مهمة لفهم العلاقة بين حجم الاستثمار الرأسمالي، وجودة التجربة، وكفاءة التشغيل، والقدرة على تحقيق عوائد مستدامة.

وأرى أن الدرس الأهم يتمثل في ضرورة الانتقال من قياس نجاح المشروعات بحجم الإنفاق أو عدد الأصول التي تمتلكها، إلى تقييم قدرتها على تحقيق تدفقات نقدية وعوائد تشغيلية تتناسب مع رأس المال المستثمر، فبناء الأصول يمثل مرحلة أولى، بينما تكمن القيمة الحقيقية في إدارتها بكفاءة وتحويلها إلى أنشطة اقتصادية منتجة.

الكفاءة التشغيلية أم تراجع النمو؟

في السيناريو الإيجابي، تستطيع ديزني تنفيذ تخفيضات مدروسة، وتحسين هيكل تكاليفها، وإعادة توجيه الوفورات إلى التكنولوجيا والمتنزهات والسفن السياحية، مع الحفاظ على جودة المحتوى وقدراتها الإبداعية، عندها يمكن أن تتحول إعادة الهيكلة إلى محرك لتحسين الهوامش وتعزيز التدفقات النقدية ورفع العائد على رأس المال.

أما السيناريو الأكثر خطورة، فيتمثل في أن تصبح التخفيضات بديلًا عن معالجة التحديات الهيكلية التي تواجه نموذج الأعمال، أو أن تؤدي إلى فقدان الكفاءات والمواهب التي تمثل أساس قدرة الشركة على الابتكار، وفي هذه الحالة، قد تتحسن الأرقام التشغيلية مؤقتًا، بينما تتراجع القدرة التنافسية على المدى الطويل.

في النهاية، أرى أن تجربة ديزني تعكس تحولًا مهمًا في فلسفة الاستثمار بقطاع الترفيه؛ فلم يعد التوسع في الإنتاج أو زيادة عدد المشروعات كافيًا لضمان النمو، بل أصبحت الكفاءة في تخصيص رأس المال هي العامل الحاسم، وبالنسبة للجيل الجديد من المستثمرين، فإن الاختبار الحقيقي يتمثل في القدرة على التمييز بين شركة تخفض تكاليفها لأنها تعيد بناء نموذج نموها، وأخرى تفعل ذلك لأنها لم تعد قادرة على تحقيق النمو بالوسائل التقليدية.

فالقيمة الاستثمارية لا تنشأ من خفض الإنفاق في حد ذاته، وإنما من القدرة على تحويل كل دولار يتم توفيره إلى فرصة جديدة للنمو وتحقيق عائد مستدام.