أخبار 24 ساعة

سامر شقير يكتب: النفط الخليجي بين قيود هرمز وبدائل التصدير

الأربعاء 4 نوفمبر 2026 02:34 مـ 23 جمادى أول 1448 هـ
رائد الاستثمار-سامر شقير
رائد الاستثمار-سامر شقير

لا يمثل أي تقدم في المفاوضات الإيرانية العُمانية بشأن مضيق هرمز مجرد تطور دبلوماسي يتعلق بحرية الملاحة، بل يحمل تداعيات مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، وتكاليف الشحن والتأمين، وحسابات المستثمرين المؤسسيين في المنطقة، فالمضيق الذي تمر عبره حصة كبيرة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًّا، تحول منذ تصعيد فبراير 2026 إلى أحد أبرز مصادر عدم اليقين في الاقتصاد العالمي.

في تقديري، فإن أي تفاهم بين طهران ومسقط بشأن تنظيم حركة السفن قد يشكل بداية لانتقال تدريجي من حالة التعطيل الواسع إلى نظام ملاحي مشروط، لكنه لا يعني بالضرورة العودة السريعة إلى مستويات التدفقات السابقة، فالفارق كبير بين الاتفاق على مسارات بحرية جديدة، وبين ضمان حرية الملاحة واستقرارها بصورة مستدامة.

وهنا تكمن أهمية التطور بالنسبة إلى المستثمرين: نحن أمام احتمال تراجع علاوة مخاطر الإغلاق الكامل، مقابل استمرار علاوة أخرى مرتبطة بشروط المرور والرقابة والتأمين والمخاطر التشغيلية.

هرمز.. من نقطة اختناق إلى عامل مؤثر في قرارات الاستثمار

أظهرت أزمة المضيق مدى اعتماد أسواق الطاقة العالمية على ممر جغرافي واحد، فوفقًا لوكالة الطاقة الدولية، بلغ متوسط تدفقات النفط الخام والمنتجات النفطية عبر هرمز نحو 20 مليون برميل يوميًّا خلال عام 2025، بما يعادل قرابة ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا على مستوى العالم.

وأدى اضطراب الملاحة منذ فبراير 2026 إلى إعادة ترتيب مسارات التصدير، ورفع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أهمية البنية التحتية البديلة لدى المنتجين الخليجيين، كما أعاد إلى الواجهة سؤالًا استراتيجيًّا: إلى أي مدى تستطيع الاقتصادات المنتجة للطاقة حماية تدفقاتها التجارية عندما تتعرض الممرات البحرية الرئيسية للاضطراب؟

أرى أن المفاوضات الإيرانية العُمانية تعكس محاولة لإيجاد صيغة عملية لإدارة هذا الممر، خصوصًا مع التقارير التي تحدثت عن مسارات جديدة للسفن، تتوزع فيها مسؤوليات تنظيم الحركة بين الجانبين، لكن التصريحات الإيرانية ربطت إعادة فتح المضيق باستيفاء شروط أخرى، ما يعني أن التقدم الفني لا يضمن وحده استعادة حركة التجارة بصورة طبيعية.

علاوة المخاطر النفطية.. إعادة تسعير لا اختفاء للمخاطر

من المرجح أن تتفاعل أسواق النفط مع أي مؤشرات عملية على تحسن الملاحة، لكن تأثير ذلك لن يكون بالضرورة فوريًّا أو متساويًا على جميع المنتجين.

فإذا بدأت السفن في العبور بصورة منتظمة، قد تتراجع تدريجيًّا علاوة المخاطر المرتبطة باحتمال استمرار الإغلاق الكامل، وهو ما قد يخفف بعض الضغوط السعرية على النفط، لكن استمرار القيود أو فرض ترتيبات خاصة على حركة السفن قد يبقي تكاليف التأمين والشحن مرتفعة، ويمنع عودة الثقة الكاملة لدى شركات النقل والمشترين.

ومن وجهة نظري، ينبغي التمييز بين ثلاثة عناصر عند تقييم السوق: حجم الإمدادات التي عادت فعلياً، وتكلفة نقلها وتأمينها، ومدى استدامة الترتيبات التي تسمح بمرورها، فالإعلان السياسي قد يغير توقعات السوق خلال ساعات، لكن عودة التدفقات التجارية تحتاج إلى اختبارات تشغيلية وقرارات فعلية من شركات الشحن والتأمين والمشترين.

وهذا يعني أن المنتجين الذين يمتلكون خيارات تصدير متعددة قد يحتفظون بميزة نسبية، بينما تظل الشركات المعتمدة بصورة كبيرة على المرور عبر المضيق أكثر تعرضًا لتقلبات تكاليف النقل والقيود التشغيلية.

البنية التحتية البديلة تتحول إلى ميزة تنافسية

كشفت الأزمة أن امتلاك خطوط أنابيب وموانئ ومرافق تصدير بديلة لم يعد مجرد عنصر إضافي في استراتيجية الطاقة، بل أصبح جزءًا أساسيًّا من إدارة المخاطر وحماية الإيرادات.

وتبرز السعودية والإمارات في هذا السياق بفضل امتلاكهما مسارات تسمح بنقل جزء من صادراتهما بعيدًا عن مضيق هرمز، ويكتسب خط أنابيب الشرق–الغرب السعودي أهمية خاصة في نقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بما يوفر منفذًا تصديريًّا بديلًا عن الموانئ الواقعة على الخليج العربي.

لكن الاعتماد على المسارات البديلة لا يلغي المخاطر بالكامل؛ إذ تظل الممرات الأخرى عرضة لاعتبارات أمنية وتشغيلية، كما أن الطاقة الاستيعابية وتكاليف النقل والقدرة على الوصول إلى الأسواق المستهدفة تحدد مدى فاعليتها.

لذلك، أرى أن الاستثمار في توسيع قدرات النقل والتخزين وإعادة الشحن يمثل استثمارًا في مرونة الاقتصاد الخليجي، وليس مجرد إنفاق على البنية التحتية النفطية، فكل برميل يمكن نقله عبر مسار بديل يمنح المنتج قدرة أكبر على حماية حصته السوقية والتفاوض مع المشترين في أوقات الاضطراب.

تخصيص رأس المال.. المستفيدون ليسوا شركات النفط وحدها

التغير المحتمل في وضع المضيق يفرض على المستثمرين المؤسسيين إعادة تقييم محافظهم وفقًا لدرجة تعرض كل شركة لمخاطر الملاحة والتأمين وسلاسل الإمداد.

قد تستفيد شركات الطاقة التي تمتلك بنية تحتية مرنة وقدرة على تغيير وجهات التصدير، بينما تواجه شركات الشحن التي تعتمد على مسارات محدودة ضغوطًا على هوامش الربحية إذا استمرت تكاليف التأمين والعبور مرتفعة، وفي المقابل، قد تستفيد شركات التأمين وإعادة التأمين المتخصصة من استمرار علاوة المخاطر، وإن كانت مطالبات الحوادث وحجم الخسائر المحتملة تظل عاملًا مؤثرًا في نتائجها.

كما أن أي تحسن مستدام في تدفقات النفط والإيرادات الحكومية الخليجية قد يوفر مساحة أكبر لتمويل مشروعات التنويع، خصوصًا في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية التقنية.

وهنا تبرز أهمية ما يطرحه مورغان هاوسل في كتابه The Psychology of Money بشأن ميل الأسواق إلى التركيز على الأحداث الظاهرة وإغفال المخاطر الهيكلية الأقل وضوحًا، فالمستثمر الذي يراهن على إعلان إعادة الفتح دون تحليل شروط الملاحة واستدامتها قد يبالغ في تقدير سرعة عودة الاستقرار.

السعودية والخليج.. التنويع ضرورة تتجاوز أسعار النفط

بالنسبة إلى السعودية والاقتصادات الخليجية، لا ينبغي أن يؤدي تحسن محتمل في حركة الملاحة إلى إبطاء مسار التنويع الاقتصادي، فارتفاع أسعار النفط قد يدعم الإيرادات العامة، لكنه لا يمثل بديلًا عن بناء مصادر دخل أكثر تنوعًا وأقل ارتباطًا بالتوترات الجيوسياسية.

وتمنح رؤية 2030 وصناديق الاستثمار المحلية السعودية أدوات لتوجيه جزء من الموارد نحو قطاعات جديدة، من السياحة والصناعة إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، كما أن تطوير الموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية يعزز قدرة المملكة على الاستفادة من موقعها الجغرافي وتحويله إلى ميزة اقتصادية.

وفي تقديري، فإن الدرس الأهم من أزمة هرمز هو أن كفاءة الاقتصاد لا تقاس فقط بحجم الإنتاج أو الإيرادات، بل بقدرته على استمرار النشاط التجاري عندما تتعرض طرق الإمداد للاضطراب، وهذا ما يجعل الاستثمار في البدائل اللوجستية والتقنية جزءًا من استراتيجية الأمن الاقتصادي طويلة الأجل.

ثلاثة مسارات أمام المستثمرين

يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية للفترة المقبلة، الأول، التوصل إلى ترتيبات عملية تسمح باستعادة جزء متزايد من حركة الملاحة، مع تراجع تدريجي في علاوة مخاطر الإغلاق واستمرار بعض تكاليف التأمين والرقابة، والثاني، استمرار التفاهمات دون استكمال شروط إعادة الفتح، بما يبقي التدفقات مقيدة ويعزز أهمية المسارات البديلة، أما الثالث، فيتمثل في تعثر المسار الدبلوماسي وتجدد التصعيد، وهو ما قد يعيد الضغوط على الإمدادات وأسعار الطاقة وتكاليف النقل.

وفي جميع هذه السيناريوهات، أرى أن المستثمر المؤسسي يحتاج إلى الحفاظ على هامش أمان واضح، كما طرح بنجامين غراهام في كتابه The Intelligent Investor، من خلال تفضيل الشركات التي تمتلك ميزانيات قوية، وتدفقات نقدية مستقرة، ومرونة تشغيلية تسمح لها بالتعامل مع أكثر من مسار محتمل.

الاختبار الحقيقي هو عودة التدفقات

في النهاية، لا ينبغي التعامل مع التقدم الدبلوماسي بشأن مضيق هرمز باعتباره نهاية للأزمة، بل باعتباره احتمالًا لإعادة تنظيم حركة التجارة والطاقة في المنطقة، فالمعيار الحقيقي لنجاح أي تفاهم لن يكون عدد التصريحات أو الاتفاقات المعلنة، وإنما انتظام عبور السفن، وتراجع تكاليف التأمين، وعودة الثقة لدى شركات الشحن والمشترين.

ومن وجهة نظري، فإن المرحلة المقبلة تفرض على المستثمرين الانتقال من متابعة عناوين المفاوضات إلى قياس أثرها الفعلي على التدفقات والإيرادات والتكاليف، أما بالنسبة إلى السعودية والخليج، فإن تعزيز المسارات البديلة وتسريع التنويع الاقتصادي يظلان عنصرين أساسيين لحماية رأس المال والنمو، سواء عاد مضيق هرمز إلى العمل بصورة طبيعية أم استمرت الملاحة فيه خاضعة لترتيبات وشروط جديدة.