سامر شقير يكتب: هل تتحول شهرة رونالدو إلى أرباح؟
أرى أن احتمالات دخول كريستيانو رونالدو شريكًا في ملكية نادي النصر السعودي تمثل تطورًا يتجاوز حدود كرة القدم، لتطرح تساؤلات أوسع حول مستقبل الاستثمار الخاص في الأندية السعودية، وقدرة هذه الأصول على التحول إلى مشروعات تجارية مستدامة، فإشراك لاعب بحجم رونالدو في الملكية لا يمنح النادي قيمة تسويقية فحسب، بل يختبر أيضًا قدرة المستثمرين على تحويل الشهرة العالمية إلى إيرادات متكررة وقيمة اقتصادية تستمر حتى بعد اعتزال النجم.
من وجهة نظري، تكمن أهمية هذه الصفقة المحتملة في توقيتها، إذ تأتي بالتزامن مع توجه صندوق الاستثمارات العامة نحو إعادة تشكيل استثماراته الرياضية وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، وإذا نجحت المفاوضات المتعلقة بنادي النصر، فقد تمثل خطوة مهمة في انتقال الأندية السعودية من مرحلة التوسع المدعوم بالاستثمارات السيادية إلى نموذج يركز بصورة أكبر على الكفاءة التشغيلية والعوائد التجارية.
لكن السؤال الاستثماري الأساسي ليس ما إذا كان رونالدو قادرًا على تعزيز جاذبية النادي، بل ما إذا كانت هذه الجاذبية قابلة للتحول إلى قيمة مالية مستدامة، لا تعتمد بصورة مفرطة على وجود لاعب واحد.
الخصخصة الرياضية تختبر شهية المستثمرين
أعتقد أن التحركات المتعلقة ببيع حصة في نادي النصر تعكس مرحلة جديدة في تطور الاستثمار الرياضي السعودي، فبعد استحواذ صندوق الاستثمارات العامة على حصص أغلبية في عدد من الأندية الكبرى عام 2023، تتجه الأنظار إلى قدرة المستثمرين من القطاع الخاص على الدخول في هذه الأصول وتقييمها وفق معايير تجارية أكثر ارتباطًا بالأداء المالي والتشغيلي.
وفي هذا السياق، تشير المعلومات الواردة بشأن المفاوضات إلى تحالف تقوده شركة ريدبيرد كابيتال بارتنرز، بمشاركة مستثمرين سعوديين، لبحث صفقة مع الصندوق الذي يمتلك نادي النصر بالكامل وفقًا للمادة محل التحليل، كما يبرز احتمال حصول رونالدو على حصة قد تصل إلى 20% في إطار الاستثمار الخاص المحتمل، وهو ما يضيف بعدًا جديدًا للعلاقة بين القيمة الرياضية والملكية التجارية.
وأرى أن دخول مستثمرين جدد قد يساعد على توزيع المخاطر وتوسيع قاعدة التمويل، لكنه لا يضمن تلقائيًا تحسن الأداء المالي، فنجاح الخصخصة الجزئية يتوقف على سعر الدخول، وحجم الالتزامات القائمة، وقدرة الإدارة على بناء نموذج إيرادات لا يعتمد على الإنفاق المستمر أو الدعم الخارجي.
رونالدو بين القيمة التسويقية ومخاطر التركّز
يمثل رونالدو أحد أبرز الأصول التسويقية المرتبطة بنادي النصر، بالنظر إلى شهرته العالمية وقدرته على جذب الجماهير والرعاة والاهتمام الإعلامي، ومن هذا المنطلق، أفهم لماذا قد يرغب المستثمرون في إشراكه في الملكية؛ فوجوده شريكًا يمكن أن يعزز ارتباطه طويل الأجل بالنادي، ويمنح العلامة التجارية امتدادًا يتجاوز دوره لاعبًا داخل الملعب.
لكنني أرى أن الاعتماد على نجم عالمي في تسعير أصل رياضي يحمل مخاطر ينبغي ألا تقل أهميتها عن الفرص، فالقيمة التجارية للاعب قد تتأثر باعتزاله أو تراجع حضوره الإعلامي أو تغير ارتباط الجماهير بالنادي، وهو ما يجعل من الضروري الفصل بين القيمة التي يضيفها النجم والقيمة الأساسية التي يستطيع النادي بناءها بصورة مستقلة.
بالنسبة إلى المستثمر المؤسسي، لا يكفي قياس عدد المتابعين أو حجم التغطية الإعلامية، بل يجب تقييم قدرة النادي على تحويل هذه المؤشرات إلى عقود رعاية طويلة الأجل، وإيرادات من التذاكر والضيافة والمنتجات التجارية وحقوق التسويق، إلى جانب تنمية قاعدة جماهيرية مستدامة.
لذلك، أرى أن مشاركة رونالدو يمكن أن تكون ميزة تنافسية إذا استُخدمت لتطوير أعمال النادي، لكنها قد تتحول إلى مصدر للمخاطر إذا أصبحت القيمة الاستثمارية بأكملها مرتبطة باستمراره.
من الإنفاق على النجوم إلى بناء الإيرادات المستدامة
من منظور تخصيص رأس المال، أعتقد أن الاختبار الحقيقي لنادي النصر يتمثل في قدرته على الانتقال من التركيز على التعاقدات الرياضية إلى بناء مصادر دخل أكثر تنوعًا واستقرارًا.
وقد يمنح دخول تحالف استثماري يمتلك خبرة دولية في القطاع الرياضي فرصة لتطوير الإدارة التجارية، وتوسيع الشراكات الخارجية، والاستفادة من أسواق جديدة في الإعلام والترفيه والمنتجات الرياضية، لكن تحقيق هذه المكاسب يتطلب خطة تشغيلية واضحة، لا تقتصر على الاستفادة من شهرة رونالدو أو استقطاب أسماء عالمية أخرى.
كما ينبغي أن تحظى معالجة الالتزامات المالية وتحسين الميزانية العمومية بأولوية واضحة، فالمستثمر الذي يدخل ناديًا رياضيًّا لا يشتري العلامة التجارية وحدها، بل يتحمل أيضًا تكاليف التشغيل والتعاقدات والبنية التحتية، فضلًا عن الالتزامات التي قد تؤثر في التدفقات النقدية المستقبلية.
وأفضِّل أن يركز رأس المال الجديد على تطوير الأصول القادرة على توليد إيرادات متكررة، وتحسين كفاءة الإنفاق، وتعزيز الحوكمة المالية، فهذه العناصر هي التي تحدد قدرة النادي على تحقيق عائد مستدام، حتى في حال تغيرت الظروف الرياضية أو غادر نجمه الأبرز.
الاستثمار الرياضي في قلب رؤية 2030
أرى أن هذه التحولات تتماشى مع توجهات رؤية السعودية 2030 الرامية إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز مشاركة القطاع الخاص في الأنشطة الواعدة، فالرياضة لم تعد مجرد نشاط ترفيهي، بل أصبحت جزءًا من منظومة اقتصادية تشمل السياحة والضيافة والإعلام والترفيه والفعاليات التجارية.
ويمكن لدخول مستثمرين محليين ودوليين إلى الأندية السعودية أن يرفع مستوى الحوكمة والشفافية، ويعزز استخدام المعايير التجارية في تقييم الأصول وإدارة المخاطر، كما قد يفتح المجال أمام صناديق استثمارية جديدة للنظر إلى القطاع الرياضي باعتباره فئة أصول تستحق الدراسة، شريطة توافر بيانات مالية واضحة وإمكانات واقعية لتحقيق العوائد.
ومع ذلك، أرى أن نجاح التجربة لا ينبغي أن يُقاس بحجم الصفقة أو شهرة المستثمرين المشاركين فيها، بل بمدى قدرة النادي على تحقيق استقلال مالي تدريجي، وتقليل اعتماده على الدعم السيادي، وتوليد تدفقات نقدية تدعم نموه على المدى الطويل.
هل تفتح صفقة النصر الباب أمام استثمارات جديدة؟
إذا توصلت الأطراف إلى اتفاق، فقد تمثل الصفقة اختبارًا مهمًا لقدرة السوق الخاصة على استيعاب الأندية السعودية وتقييمها تجاريًّا، وقد يشجع نجاحها على دراسة نماذج مشابهة في أندية أخرى، بما يوسع قاعدة المستثمرين ويمنح الصندوق مرونة أكبر في إعادة تدوير رأس المال نحو قطاعات ومشروعات أخرى.
في المقابل، فإن تأخر المفاوضات أو ظهور خلافات حول التقييم والالتزامات المالية قد يكشف عن فجوة بين القيمة التسويقية للأندية والعوائد التي يستطيع المستثمرون تحقيقها فعلياً، فالمستثمر المحترف لا يبني قراره على الإمكانات المستقبلية وحدها، بل يوازن بينها وبين المخاطر التشغيلية والتكاليف الرأسمالية والقدرة على تحقيق عائد مناسب.
وأعتقد أن المستثمرين المؤسسيين سيراقبون ثلاثة عناصر أساسية: تقييم النادي مقارنة بإمكاناته المالية، وخطة معالجة الالتزامات القائمة، ومدى استقلال الإيرادات المستقبلية عن الدعم الخارجي ووجود النجوم العالميين.
في النهاية، أرى أن احتمال دخول رونالدو شريكًا في ملكية النصر يمثل اختبارًا لنضج نموذج الاستثمار الرياضي السعودي، وليس مجرد صفقة مرتبطة باسم لاعب عالمي، فإذا نجح النادي في تحويل قيمته التسويقية إلى إيرادات متكررة، وتحسين كفاءته التشغيلية، وبناء نموذج مالي قادر على الاستمرار، فقد يشكل ذلك خطوة مهمة نحو توسيع مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد الرياضي.
أما إذا ظلت القيمة الاستثمارية تعتمد أساسًا على شهرة النجوم والإنفاق المرتفع، فستبقى الاستدامة المالية موضع تساؤل، ومن وجهة نظري، فإن الفرصة الحقيقية تكمن في بناء أندية تُدار باعتبارها أصولًا تجارية متكاملة، تجمع بين النجاح الرياضي والحوكمة الجيدة والعوائد المستدامة، بما يعزز جاذبية القطاع للمستثمرين على المدى الطويل.
