أخبار 24 ساعة

سامر شقير: الرياض تستطيع تعزيز مكانتها مركزًا إقليميًا للذكاء الاصطناعي

الأربعاء 21 أكتوبر 2026 11:14 صـ 9 جمادى أول 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

أكد سامر شقير، رائد الاستثمار، أن المملكة العربية السعودية تمتلك مقومات مهمة لتعزيز مكانتها في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، في مقدمتها توافر الطاقة، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، والطلب المحلي، والقدرة على تطوير بنية تحتية واسعة النطاق، مشيرًا إلى أن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل هذه المقومات إلى صناعة تقنية قادرة على المنافسة والتصدير.

وأوضح شقير، خلال حواره مع الإعلامي محمد يحيى القحطاني،  أن بناء مراكز البيانات وتوسيع قدرات الحوسبة يمثلان خطوة أساسية لتطوير القطاع، لكنهما لا يكفيان وحدهما لإثبات أن المملكة انتقلت من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها وتصديرها، إذ يتطلب ذلك بناء شركات تطور منتجات وحلولًا تقنية تمتلك قيمة تجارية واضحة في الأسواق الدولية.

وقال شقير: «أنا أرى أن السعودية تمتلك عناصر مهمة تؤهلها للعب دور أكبر في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، من الطاقة والموقع إلى الطلب المحلي والقدرة على بناء بنية تحتية كبيرة. لكن مركز التكنولوجيا الحقيقي ليس مجرد مبنى يحتوي على خوادم؛ بل هو المكان الذي تنشأ فيه شركات تطور منتجاتها وتبيع خدماتها للعملاء حول العالم».

من البنية التحتية إلى صناعة تقنية قابلة للتصدير
وأشار شقير إلى أن التوسع في قدرات الحوسبة ومراكز البيانات يمكن أن يشكل قاعدة مهمة لنمو الاقتصاد الرقمي، إلا أن القيمة الاقتصادية الأكبر تتطلب بناء منظومة متكاملة تضم الشركات التقنية، والمواهب المتخصصة، والمنتجات القابلة للتوسع، وقنوات الوصول إلى الأسواق العالمية.

وأوضح أن الفرق بين استهلاك التكنولوجيا وتصديرها يظهر بوضوح عندما تنتقل الشركات من شراء الحلول التقنية وتشغيلها لتلبية احتياجات السوق المحلية إلى تطوير منتجات وخدمات يمكن بيعها لعملاء في دول أخرى.

وضرب مثالًا افتراضيًا بشركة سعودية تطور نظامًا للذكاء الاصطناعي مخصصًا للمستشفيات، وتنجح في تسويقه وتقديمه إلى مؤسسات صحية في الخليج وآسيا وأوروبا، معتبرًا أن هذا النموذج يعكس قدرة المملكة على تحويل المعرفة التقنية إلى منتج تصديري وإيرادات دولية.

وقال: «إذا طورت شركة سعودية نظام ذكاء اصطناعي للمستشفيات، وبدأت تبيع خدماتها في الخليج وآسيا وأوروبا، فنحن هنا نتحدث عن تصدير حقيقي للتكنولوجيا. أما إذا ذهبت الاستثمارات بالكامل إلى شراء المعدات وتشغيلها لتلبية الطلب المحلي، فنحن نوسع استهلاك التكنولوجيا، لكننا لا نبني بالضرورة صناعة تقنية تصديرية».

وأضاف أن الفارق الاستراتيجي يكمن في قدرة الشركات المحلية على امتلاك المنتجات والخبرات والقدرات التجارية التي تسمح لها بالمنافسة خارج السوق السعودية، وتحقيق إيرادات مستدامة من عملاء دوليين.

هل تستطيع الرياض أن تصبح مركزًا إقليميًا للذكاء الاصطناعي؟
وفيما يتعلق بفرص الرياض في التحول إلى مركز إقليمي للحوسبة والذكاء الاصطناعي، أوضح شقير أن المملكة تمتلك مقومات يمكن البناء عليها لتطوير هذا الدور، لكن تحقيقه يتطلب أكثر من الاستثمار في المعدات والبنية التحتية.

وأشار إلى أن القدرة على توفير الطاقة والحوسبة واستقطاب الاستثمارات تمثل عناصر مهمة، غير أن بناء مركز تقني مؤثر يستلزم أيضًا وجود شركات قادرة على تطوير حلول متقدمة، وتوظيف الكفاءات المتخصصة، وتقديم خدمات تنافسية، والفوز بعقود خارج الحدود المحلية.

وأكد أن المنافسة العالمية في هذا المجال لا تُحسم بحجم الاستثمارات وحده، بل بقدرة المنظومة التقنية على تحويل الموارد المتاحة إلى منتجات ذات جودة عالية، وتكاليف تنافسية، وقيمة واضحة للعملاء.

وقال شقير: «العقبة ليست فقط في الرقائق أو الكهرباء. التحدي الأساسي هو أن تجمع المواهب، وتطور منتجات تنافسية، وتصل إلى عملاء عالميين، ثم تحافظ على هؤلاء العملاء. امتلاك البنية التحتية يمنحك نقطة انطلاق، لكن القدرة على البيع والمنافسة هي التي تحدد مدى نجاحك».

المواهب والمنتجات والعملاء.. معادلة بناء القطاع التقني
وشدد شقير على أن تطوير صناعة سعودية قادرة على التصدير يتطلب العمل على ثلاثة مسارات مترابطة:

أولًا: تطوير المواهب والخبرات المتخصصة.

أكد شقير أهمية استقطاب الكفاءات العالمية وتنمية المواهب المحلية في مجالات الذكاء الاصطناعي وهندسة البرمجيات والبيانات والحوسبة، بما يساعد على بناء فرق قادرة على تطوير المنتجات وتحسينها باستمرار.

ثانيًا: بناء منتجات تحل مشكلات حقيقية.

أوضح أن الشركات الأكثر قدرة على المنافسة هي التي تقدم حلولًا واضحة القيمة للعملاء، سواء في الرعاية الصحية أو الصناعة أو الخدمات المالية أو اللوجستيات أو غيرها من القطاعات، بدلًا من الاعتماد على التسويق العام للتكنولوجيا.

ثالثًا: بناء قنوات بيع وتوسع دولية.

لفت شقير إلى أن تطوير منتج جيد لا يضمن نجاحه التجاري، ما لم تستطع الشركة الوصول إلى العملاء المستهدفين، والفوز بالعقود، وتقديم خدمات موثوقة، والحفاظ على علاقاتها التجارية في الأسواق الخارجية.

وأضاف أن اجتماع هذه العناصر يساعد على تحويل الاستثمارات التقنية من مجرد إنفاق على البنية التحتية إلى نشاط اقتصادي قادر على توليد إيرادات تصديرية، وخلق وظائف متخصصة، وتطوير شركات ذات قيمة طويلة الأجل.

المقرات الإقليمية فرصة.. لكن أين تُصنع القيمة؟
وفي تعليقه على استقطاب الرياض للمقرات الإقليمية للشركات العالمية، أكد شقير أن هذه الخطوة يمكن أن تفتح المجال أمام نقل الخبرات، وتوسيع العلاقات التجارية، وتعزيز حضور المملكة في الأسواق الإقليمية، لكنها لا تمثل وحدها دليلًا كافيًا على بناء مركز تقني متكامل.

وأوضح أن التقييم الأعمق يتطلب النظر إلى حجم الأعمال التي تُدار فعليًا من المملكة، وطبيعة القرارات التي تُتخذ فيها، ومدى تطور الأنشطة التقنية والتجارية، وحجم الإيرادات والعقود التي تنشأ من العمليات المحلية.

وقال: «وجود مقرات إقليمية لشركات عالمية في الرياض فرصة مهمة، لكن السؤال هو: كم من القرارات والأعمال والإيرادات أصبح ينطلق فعلًا من المملكة؟ المهم ألا يقتصر الحضور على العنوان والمكتب، بل أن يتحول إلى نشاط اقتصادي وتقني حقيقي».

وأضاف أن استقطاب الشركات الدولية يمكن أن يحقق قيمة أكبر عندما يرتبط بتطوير الكفاءات المحلية، وبناء شراكات مع الشركات السعودية، وتوسيع الأنشطة التقنية والتصديرية التي تنفذ من المملكة.

السعودية لا تحتاج إلى نسخة من وادي السيليكون
وأكد شقير أن المملكة ليست مطالبة بتكرار نموذج وادي السيليكون بصورة حرفية، بل بتطوير نموذج تقني يستند إلى ميزاتها الاقتصادية والجغرافية، ويستفيد من احتياجات القطاعات المحلية والإقليمية، ثم يحول الخبرات المتراكمة إلى منتجات قابلة للتوسع عالميًا.

وأشار إلى أن الفرص قد تشمل تطوير حلول الذكاء الاصطناعي للقطاعات التي تمتلك فيها المملكة طلبًا وخبرات تشغيلية، مثل الطاقة والصناعة واللوجستيات والخدمات الصحية والمالية، مع اختبار قدرة هذه الحلول على المنافسة في أسواق أخرى.

وأوضح أن بناء ميزة تنافسية مستدامة يتطلب الجمع بين فهم احتياجات العملاء، وتطوير التقنية، والانضباط التجاري، والقدرة على التوسع، بدلًا من الاكتفاء بملاحقة الاتجاهات العالمية أو زيادة الإنفاق على البنية التحتية.

وقال: «السعودية لا تحتاج إلى أن تكون نسخة من وادي السيليكون. المطلوب أن تبني ميزتها الخاصة، وأن تطور حلولًا يحتاج إليها العالم، ثم تحول هذه الحلول إلى منتجات وخدمات قادرة على المنافسة والتصدير».

النجاح الحقيقي هو تحويل الاستثمار التقني إلى إيرادات عالمية
واختتم سامر شقير تصريحه بالتأكيد على أن مستقبل السعودية في اقتصاد الذكاء الاصطناعي لن يُقاس فقط بحجم مراكز البيانات أو قدرات الحوسبة أو عدد الشركات العالمية الموجودة في المملكة، بل بقدرة المنظومة المحلية على إنتاج التكنولوجيا وتطويرها وتحقيق عوائد تجارية منها.

وقال: «الهدف ليس فقط أن نمتلك البنية التحتية التي تتيح لنا استخدام الذكاء الاصطناعي، بل أن نبني شركات سعودية تستطيع تطوير حلولها وبيعها إلى العالم. عندما تصبح لدينا منتجات تنافسية، وعملاء دوليون، وإيرادات تأتي من خارج المملكة، نكون قد بدأنا الانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى تصديرها».

وأكد أن هذا التحول يمثل فرصة استراتيجية لتعزيز تنويع الاقتصاد السعودي، ورفع القيمة المضافة المحلية، وتطوير شركات تقنية قادرة على النمو طويل الأجل، بما يدعم مكانة المملكة في الاقتصاد الرقمي العالمي.