سامر شقير: استرداد رفات الناغا يكشف اقتصادًا جديدًا للتراث والثقافة
وافقت جامعة أكسفورد في يوليو 2026 على إعادة 39 مجموعة من رفات أسلاف شعب الناغا من متحف بيت ريفرز إلى شمال شرق الهند، على أن تُستكمل العملية قبل نهاية العام، في خطوة تتجاوز بعدها الأخلاقي لتكشف عن تحول أوسع في طريقة تسعير الأصول الثقافية.
وقال رائد الاستثمار سامر شقير: إن الأسواق بدأت تنظر إلى «السيادة الثقافية» باعتبارها عاملًا مشابهًا لحقوق الملكية في الأصول الاستراتيجية، إذ لم تعد قيمة المقتنيات تُقاس فقط بقيمتها العلمية أو التأمينية، بل أيضًا بكلفة الاحتفاظ بها خارج إطار الموافقة المجتمعية.
وتأتي القضية بعد مفاوضات استمرت نحو ست سنوات منذ سحب الرفات من العرض عام 2020، ويحتفظ متحف بيت ريفرز بأكبر مجموعة نغية في العالم، تضم آلاف القطع ونحو 41 مجموعة من الرفات، إلى جانب عشرات القطع التي قد تحتوي شعرًا بشريًّا، ويعكس قرار إعادة 39 مجموعة ورفض واحدة لعدم ثبوت أصلها أن معايير التوثيق أصبحت جزءًا من حوكمة الأصل الثقافي نفسه.
الاسترداد يفتح دورة إنفاق جديدة
رأى سامر شقير أن أهمية الاسترداد لا تتوقف عند خروج القطعة من مؤسسة غربية ووصولها إلى موطنها الأصلي، بل تبدأ من قدرة الدولة والمجتمع المحلي على تحويلها إلى نشاط اقتصادي.
فالهند كثفت خلال العقد الماضي جهود استرداد الآثار، وأعادت منذ 2014 أكثر من 600 قطعة، بعد أن كان العدد محدودًا في العقود السابقة، مع تصدر الولايات المتحدة قائمة مصادر القطع المستردة.
لكن الرفات البشرية تختلف عن التماثيل والبرونزيات؛ فقيمتها السوقية المباشرة محدودة، بينما قيمتها في بناء الشرعية الثقافية والرواية الوطنية أكبر، ومن هنا يمكن أن يصبح استرداد رفات الناغا محفزًا لإنفاق محلي على الحفظ والمتاحف والمطارات الإقليمية والضيافة، إذا ارتبط بسياسة واضحة لإتاحة هذه المقتنيات أمام الجمهور.
ثلاثة مسارات لإعادة تسعير رأس المال
بحسب سامر شقير، يتعين على المستثمرين مراقبة ثلاثة مسارات رئيسية، الأول هو مخاطر السمعة والحوكمة التي تواجه المتاحف والجامعات الغربية، إذ تتحول المجموعات ذات الخلفية الاستعمارية تدريجيًا من أصول ثقافية إلى بنود في ميزانيات المخاطر والامتثال.
الثاني يتعلق بسوق الفن والآثار، حيث يمكن لتشديد متطلبات إثبات المصدر أن يخفض سيولة القطع ذات السجل غير الواضح، في الوقت الذي يرفع فيه قيمة المقتنيات ذات التوثيق النظيف ويمنح ميزة للمؤسسات ودور المزادات الأكثر انضباطًا.
أما المسار الثالث فيظهر في الدول المستردّة نفسها، حيث تنشأ فرص في المتاحف والترميم والخدمات اللوجستية المتخصصة وأنظمة الأرشفة الرقمية، وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحول من شعار تقني إلى أداة عملية لفهرسة المجموعات وإدارة قواعد البيانات وحماية provenance المقتنيات.
من «اقتناء الرمز» إلى «تشغيل الرمز»
أوضح سامر شقير أن تخصيص رأس المال سيتحرك تدريجيًّا من «اقتناء الرمز» إلى «تشغيل الرمز»، فامتلاك القطعة ليس هو الأصل الاقتصادي الحقيقي؛ القيمة تظهر عندما توجد القدرة على حفظها وعرضها وربطها بالسياحة والإنفاق المحلي والمحتوى الثقافي.
وهذا المنطق يتقاطع مع تجربة دول الخليج التي رفعت الثقافة والمتاحف والتراث ضمن استراتيجيات التنويع الاقتصادي، وفي السعودية، عززت رؤية 2030 وصندوق الاستثمارات العامة وزن الأصول الثقافية والتراثية باعتبارها أدوات لجذب الزوار وبناء القوة الناعمة وتنويع مصادر الدخل غير النفطي.
ولا يعني ذلك أن قضية الناغا مرتبطة مباشرة بسوق الأسهم السعودية، وإنما أن منطق الاستثمار أصبح واحدًا: الثقافة أصل سيادي يحتاج إلى حوكمة وتمويل وتشغيل، وليس مجرد مبنى أو مجموعة مقتنيات.
المستثمر يراقب البنية لا القطعة
لفت سامر شقير إلى أن الفرص الاستثمارية الأكثر قابلية للقياس لا تكمن في المضاربة على المقتنيات، وإنما في البنية التحتية التي تجعل الاسترداد منتجًا اقتصاديًّا مستدامًا، من الترميم والتأمين الفني إلى تقنيات الحفظ والتحكم المناخي والأرشفة الرقمية والسياحة المجتمعية.
وفي المقابل، تظل المخاطر قائمة، فضعف القدرة المحلية على الحفظ قد يحول الاسترداد إلى أصل راكد، بينما يمكن للتسييس أن يرفع علاوة المخاطر ويؤخر التمويل الخاص.
ثلاثة سيناريوهات لرأس المال الثقافي
إذا استمرت موجة الاسترداد، يرى سامر شقير أن السوق قد تتحرك في ثلاثة اتجاهات: مسار تعاوني تقوم فيه الدول والمؤسسات الغربية بإعادة المقتنيات عبر اتفاقيات ثنائية وإعارات عكسية؛ ومسار قضائي يرفع كلفة رأس المال على المؤسسات التي تتأخر في معالجة المطالبات؛ ومسار استثماري يتوسع فيه تمويل المتاحف وشبكات الحفظ في دول الجنوب العالمي.
واختتم سامر شقير بأن نجاح الاسترداد لن يُقاس بعدد القطع التي تعود إلى موطنها، بل بقدرة الدولة والمجتمع على تحويلها إلى إنتاجية اقتصادية: وظائف في الحفظ، وإنفاق سياحي، ومحتوى ثقافي قابل للتصدير، وبذلك تصبح قضية الناغا أكثر من عملية إعادة مقتنيات؛ فهي إشارة إلى أن رأس المال الثقافي يدخل مرحلة جديدة من إعادة التسعير، حيث تتحول الأصول التي كانت خارج الميزانية إلى عوامل تؤثر في المخاطر والسمعة والسياحة وتخصيص رأس المال.
وفي هذه المعادلة، يصبح التراث الذي يُدار بحوكمة وتدفق نقدي تشغيلي ميزة تنافسية صامتة، بينما يتحول التراث الذي يفتقر إلى إدارة اقتصادية واضحة إلى عبء طويل الأجل.
