أخبار 24 ساعة

من المختبر الصيني إلى الأسواق العالمية.. سامر شقير يرصد إعادة توزيع عوائد الابتكار الدوائي

الإثنين 31 أغسطس 2026 09:37 صـ 17 ربيع أول 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن صناعة الأدوية العالمية دخلت مرحلة جديدة من إعادة تسعير مصدر الابتكار، بعدما بدأت الشركات الكبرى في شراء حقوق جزيئات صينية بوتيرة قياسية لتعويض انتهاء براءات الاختراع وإعادة بناء خطوط إنتاجها.
وأوضح شقير، أن قيمة صفقات الترخيص الخارجة من الصين تجاوزت 138 مليار دولار في 2025، فيما واصل النشاط زخمه خلال 2026، بعدما أُعلن حتى نهاية يوليو عن 32 صفقة ترخيص بين شركات أميركية وصينية، مقابل 45 صفقة خلال 2025 بأكمله، وفق بيانات Bloomberg Intelligence.
وأكد أن المسألة لم تعد منافسة جيوسياسية فقط، بل أصبحت إعادة توزيع لعائد البحث والتطوير ومخاطر سلاسل الإمداد وقوة التفاوض بين رأس المال الغربي والابتكار الآسيوي.

الصين تبيع «الزمن العلمي»
قال سامر شقير: إن الشركات لا تشتري مجرد جزيئات صينية، بل تشتري اختصارًا لدورة رأس المال، خصوصًا مع اقتراب ما يعرف بـ«جرف براءات الاختراع» لدى شركات الأدوية الكبرى.
وأشار شقير إلى أن شركات مثل AstraZeneca وPfizer وBristol Myers Squibb وMerck وAbbVie وEli Lilly وسعت رهاناتها على برامج صينية في الأورام والسمنة وأمراض التمثيل الغذائي.
وأضاف أن الصين راكمت خلال عقدين قدرات في الكيمياء الطبية والتجارب السريرية والتصنيع الحيوي وأدوات اكتشاف الأدوية بالذكاء الاصطناعي، لتتحول من مصدر للمنتجات الأرخص إلى مصدر لأصول دوائية قابلة للترخيص عالميًّا، بعضها وصل إلى مراحل سريرية متقدمة.
وأوضح شقير أن الصين أصبحت تمثل نحو ربع المرشحات الدوائية عالميًّا، فيما تجاوزت قيمة صفقات الترخيص الخارجة من منطقة الصين الكبرى في 2025 عشرة أضعاف مستويات 2021 تقريبًا، بينما اقتربت القيمة الإضافية في الربع الأول من 2026 وحده من 60 مليار دولار في بعض التتبعات القطاعية.
الفائدة المرتفعة تدفع الشركات إلى شراء الابتكار
أشار سامر شقير، إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية لفترة أطول رفع تكلفة تمويل شركات التكنولوجيا الحيوية الصغيرة، وضيق نافذة الطروحات الأولية، ودفع شركات الأدوية الكبرى إلى شراء الابتكار بدلًا من تطويره بالكامل داخليًّا.
وقال شقير: إن الترخيص الصيني يوفر نموذجًا مختلفاً، يقوم على دفعة مقدمة محدودة نسبيًّا مقارنة بالقيمة الإجمالية المشروطة، مع نقل جزء من المخاطر السريرية والتنظيمية إلى مراحل لاحقة من المدفوعات.
ولخص شقير التحول بقوله: «إن الشركات لا تشتري رواية صينية عن الريادة، بل تشتري اختصارًا لدورة رأس المال، عندما يقترب جرف براءات الاختراع، تصبح سرعة الوصول إلى أصل سريري جاهز أهم من مكان ميلاد الجزيء».

صفقات بمليارات الدولارات
قال سامر شقير: إن طبيعة الصفقات نفسها تغيرت، فلم تعد تقتصر على أصل واحد متأخر المرحلة، وإنما امتدت إلى محافظ برامج وتعاونات بحثية ونقل جزئي للمعرفة.
وأشار شقير إلى صفقة AstraZeneca مع CSPC Pharmaceutical Group بشأن مرشحات لإنقاص الوزن، بقيمة محتملة تقارب 18.5 مليار دولار، بينها 1.2 مليار دولار مقدمًا، معتبرًا أنها عكست انتقال الرهان من السرطان إلى السمنة، إحدى أكبر فئات النمو العلاجي والاستهلاكي.
وأضاف أن اتفاق Bristol Myers Squibb مع Hengrui، وصفقات Pfizer مع 3SBio وInnovent، واتفاق AbbVie مع RemeGen، أكدت توسع الخريطة لتشمل الأورام والأجسام المضادة ثنائية التخصص والسمنة.
ولفت شقير إلى أن ارتفاع متوسط حجم الصفقات والدفعات المقدمة يعني أن الأصول الصينية الجيدة لم تعد تُسعر دائمًا كـ«خصم آسيوي»، مع بقاء معظم القيمة مؤجلة ومرتبطة بمعالم تنظيمية وتجارية.

المستثمر أمام ثلاث محافظ
أوضح سامر شقير أن المستثمر المؤسسي يتعامل مع ثلاث محافظ مترابطة: أسهم شركات الأدوية الكبرى، والتكنولوجيا الحيوية الأمريكية الصغيرة والمتوسطة، ورأس المال المغامر والخاص في علوم الحياة.
وقال شقير: إن الترخيص الصيني يدعم خطوط إنتاج شركات الأدوية الكبرى، لكنه يرفع في الوقت نفسه حساسيتها الجيوسياسية، بينما يعني توجه دولار إلى أصل صيني تراجع الأموال المتاحة لجولة تمويل أو استحواذ أميركية محلية، مضيفًا أن نماذج جديدة ظهرت تجمع بين ترخيص أصل صيني وتأسيس شركة غربية حوله، ثم إدراجها أو بيعها لشركة دوائية كبرى.
وحذر شقير من اعتبار التدفقات حكمًا نهائيًا على تفوق منظومة على أخرى، قائلًا: «إن الأسواق لا تصوت على السيادة العلمية، بل على كفاءة تخصيص رأس المال في دورة محددة»، مضيفًا أن الخطر الحقيقي يتمثل في أن تسعّر السياسة فجأة أصلًا كان السوق يعامله كأصل تجاري عادي.

واشنطن تدخل قلب الابتكار
قال سامر شقير: إن المخاطر التنظيمية انتقلت من سلاسل إمداد المواد الفعالة إلى قلب الابتكار نفسه، مع قانون BIOSECURE الذي أُقر ضمن تشريعات الدفاع في أواخر 2025، ومقترحات 2026 مثل Biotech Investment National Security Act لفحص الاستثمارات الصادرة.
وأوضح شقير أن توسيع نطاق القيود قد يقلل عدد المشترين الغربيين ويضغط تقييمات البائعين الصينيين، في الوقت الذي يرفع فيه عدم اليقين القانوني معدل الخصم على التدفقات المستقبلية.
وأضاف أن المخاطر تمتد إلى البيانات الجينية وجودة الأدلة السريرية وأمن البيانات وقدرة التصنيع البديل، محذرًا من أن الإغلاق السريع من دون بدائل محلية قد يبطئ وصول العلاجات ويرفع تكاليف الرعاية الصحية والتأمين.

السعودية والخليج أمام فرصة مختلفة
وأشار سامر شقير، إلى أن رؤية 2030 وضعت الأمن الدوائي والتكنولوجيا الحيوية ضمن التحول الصحي والصناعي، مع الاستراتيجية الوطنية للتكنولوجيا الحيوية ومبادرات صندوق الاستثمارات العامة، ومنها Lifera لتوطين التصنيع الحيوي واللقاحات والأدوية البيولوجية.
وقال شقير: إن الفرصة الخليجية لا تتمثل في ملاحقة كل صفقة صينية، بل في بناء التصنيع التعاقدي، وتطوير التجارب السريرية والبيانات السكانية، وتخصيص جزء من محافظ الصناديق السيادية والعائلية لعلوم الحياة العالمية عبر صناديق متخصصة وشركات تطوير وتصنيع تعاقدي ومنصات صحية رقمية.
وأكد أن «المستثمر الخليجي لا يستطيع الاكتفاء بملكية مستشفيات أو توزيع أدوية، القيمة تُصنع عند تقاطع التصنيع الذكي والبيانات السريرية والشراكات التي تنقل المعرفة لا الفاتورة فقط».

الأورام والسمنة والذكاء الاصطناعي
قال سامر شقير: إن الأورام بقيت المجال الأكثر ازدحامًا، بينما تحولت السمنة وأمراض الأيض إلى فئة ضخمة تربط الصحة بسلوك المستهلك والتجزئة والتأمين.
وأضاف شقير أن الذكاء الاصطناعي يخفض تكلفة اكتشاف الأدوية وفرز المرشحات، لكنه لا يلغي التجارب البشرية، وهو ما أبقى ميزة الصين في الحجم والسرعة مهمة.
وأشار إلى أن التصنيع الحيوي وخدمات التطوير التعاقدي مرشحة لإعادة توطين جزئي في الولايات المتحدة وأوروبا والخليج إذا اتسعت القيود على منصات خدمات محددة.

إعادة رسم خريطة رأس المال
اختتم سامر شقير بأن السيناريو الأساسي حتى نهاية العقد لا يتمثل في انهيار الريادة الأمريكية، بل في تآكل احتكارها لإنتاج الجزيء الجديد، مع استمرار امتلاك الولايات المتحدة عمقًا تنظيميًّا وقوة تسعير وأسواق رأس مال أعمق، مقابل امتلاك الصين قدرة اكتشاف وتطوير أسرع وأقل تكلفة.
وقال شقير: إن المحفظة الأكثر اتزانًا في 2026 تحتاج إلى انكشاف مدروس على شركات الأدوية الكبرى القادرة على امتصاص الصدمات، وتجنب التركّز في الشركات الخاضعة لمخاطر تقييدية، وبناء انكشاف طويل الأجل على البنية الصحية والتصنيعية في اقتصادات تنفذ برامج توطين حقيقية، وفي مقدمتها السعودية.
واختتم سام شقير قائلًا: «إن الريادة في هذا القطاع لم تعد موقعًا جغرافيًّا ثابتًا، بل قدرة على شراء الزمن العلمي بأفضل سعر مخاطر»، مؤكدًا أن السباق لن يُحسم في واشنطن أو بكين وحدهما، وإنما في جداول تخصيص رأس المال التي تحدد من سيمول المرحلة التالية من اكتشاف الأدوية.