من رسالة جندي في 1917 إلى استثمارات 2030.. سامر شقير يقرأ درس الأفق الطويل
قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن اكتشاف بطاقة بريدية تعود إلى جندي أمريكي شارك في الحرب العالمية الأولى، بعد أكثر من قرن على كتابتها، قدم درسًا يتجاوز قيمتها التاريخية، ليصل إلى جوهر بناء رأس المال على المدى الطويل.
وأوضح شقير، أن البطاقة، التي كتبها الجندي هيو إتش هوف من أوكلاهوما خلال تدريبه للضباط في تكساس عام 1917 وأرسلها إلى قريبته، بقيت مدفونة لعقود داخل مبنى مهجور في كانساس كان مخصصًا للهدم، قبل أن تصل إلى أحفاد أحفاده في أغسطس 2026 عبر بحث رقمي بسيط.
وأشار شقير، إلى أن هوف اختار آنذاك رتبة ملازم ثانٍ في الجيش النظامي بدلًا من رتبة أعلى في الاحتياط، مفضلًا الخدمة الفعلية على المكاسب الفورية، معتبرًا أن هذه القصة تلخص معضلة يواجهها المستثمرون المؤسسيون اليوم: كيفية الحفاظ على الأصول ذات القيمة الحقيقية وسط ضجيج التقلبات قصيرة الأجل.
الزمن كعامل إنتاج
وقال سامر شقير: إن الأسواق العالمية في 2026 تشهد توترًا بين الحاجة إلى السيولة السريعة ومتطلبات العائد المستدام، في وقت ارتفعت فيه تكلفة رأس المال في كثير من الاقتصادات المتقدمة بعد دورات التشديد النقدي السابقة، بينما تبحث صناديق التقاعد والثروات السيادية عن أصول قادرة على توليد تدفقات على مدى عقود.
وأضاف شقير، أن القرار الذي اتخذه الجندي قبل أكثر من قرن يحمل دلالة استثمارية مباشرة، موضحًا أن تفضيل الموضع الاستراتيجي طويل الأمد على العائد الفوري الأعلى يمثل جوهر التخصيص الرشيد لرأس المال، وأن المستثمر الذي يرفض التضحية بهوامش قصيرة الأجل من أجل بناء موقع تنافسي دائم قد ينتهي بمحفظة أكثر هشاشة.
وأوضح شقير، أن هذا المنطق ظهر في استراتيجيات صناديق الاستثمار الخاصة التي تركز على الأصول الصناعية واللوجستية والبنية التحتية، حيث تمتد دورات الاستثمار إلى 10 أو 15 عامًا أو أكثر، كما انعكس في استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة السعودي الذي يبني محافظ مرتبطة بمشاريع تتجاوز أفق 2030، انطلاقًا من أن القيمة المركبة لا تتحقق إلا عندما يتجاوز الاستثمار الدورات الانتخابية أو دورات أسعار الفائدة.
التوثيق جزء من إدارة المخاطر
وأشار سامر شقير، إلى أن قصة البطاقة البريدية كشفت أيضًا أهمية الأرشفة الرقمية والحوكمة الوثائقية داخل العائلات والمؤسسات، خصوصًا مع تنامي دور مكاتب العائلات والصناديق العائلية.
وقال شقير: إن رأس المال العائلي الذي يفشل في توثيق قراراته عبر الأجيال يفقد قدرته على نقل استراتيجيته، مضيفًا أن القيمة غير الموثقة قد تتعرض للاندثار تمامًا كما تتعرض الأصول غير المحمية لمخاطر السوق.
وعلى المستوى الكلي، لفت شقير إلى أن هذا الوعي يتزامن مع نمو سوق الائتمان الخاص عالميًّا إلى مستويات تتجاوز تريليونات الدولارات، وزيادة اهتمام المؤسسات بالأصول الحقيقية القادرة على حماية القوة الشرائية في مواجهة التضخم.
وأضاف شقير، أن هذه الاتجاهات تتقاطع في الخليج مع جهود تنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط، حيث تحتاج مشاريع التصنيع والسياحة والطاقة المتجددة إلى رأس مال صبور قادر على انتظار العوائد طويلة الأجل.
رأس المال الصبور يتقدم
وأوضح سامر شقير، أن المستثمرين المؤسسيين باتوا ينظرون إلى مثل هذه القصة باعتبارها تذكيرًا بأهمية «رأس المال الصبور»، ففي أسواق الأسهم، استمرت الشركات القادرة على التسعير والحفاظ على هوامش مرتفعة في جذب التدفقات، بينما واجهت الشركات المعتمدة على النمو قصير الأجل ضغوطًا على تقييماتها.
وفي أسواق الدخل الثابت، أشار شقير إلى استمرار جاذبية السندات طويلة الأجل والسيادية المرتبطة بمشاريع تنموية كبيرة للمؤسسات التي تدير التزامات تمتد لعقود، قائلًا: إن السوق كافأت المستثمر الذي بنى محفظة قادرة على الصمود عبر دورات متعددة، مؤكدًا أن التخصيص القائم فقط على السيولة اليومية قد يفوّت الفرص الهيكلية التي لا تظهر إلا بعد عقود.
وفي السعودية والخليج، أوضح شقير أن ذلك يعني زيادة الوزن النسبي للأصول المرتبطة برؤية 2030، بما يشمل البنية التحتية والتقنية والسياحة، مع الحفاظ على انضباط صارم في الحوكمة وتقييم المخاطر الجيوسياسية.
الفرص والمخاطر
حدد سامر شقير أبرز الفرص في الأصول التي تجمع بين الندرة التاريخية والقيمة الاقتصادية المستمرة، مثل العقارات الاستراتيجية، والحصص في الشركات ذات المزايا التنافسية المستدامة، وأدوات التمويل الخاصة التي تدعم المشاريع التحويلية.
وفي المقابل، حذر شقير من الإفراط في التركيز على السرد قصير الأجل، وإهمال التوثيق والحوكمة داخل المحافظ العائلية، إلى جانب سوء تقدير تكلفة الفرصة البديلة عند تفضيل العائد الفوري على بناء موقع استراتيجي دائم.
وأشار شقير، إلى أن ذلك يترجم في أسواق المال إلى تفضيل الشركات ذات العائد المرتفع على حقوق الملكية والقدرة على إعادة الاستثمار بمعدلات عالية، وزيادة الاهتمام بالصناديق ذات الأفق الاستثماري البالغ 10 سنوات أو أكثر، فضلًا عن ارتفاع الطلب على خدمات إدارة الثروات التي تجمع بين التخطيط الضريبي والحوكمة العائلية والأرشفة الرقمية.
الأفق الطويل.. ميزة نادرة
واختتم سامر شقير بأن الرسالة التي وصلت بعد 109 أعوام لم تكن مجرد واقعة تاريخية، بل تذكيرًا بأن القيمة الحقيقية تقاس بقدرتها على البقاء والانتقال عبر الأجيال.
وقال شقير: إن المستثمرين الذين يدمجون عامل الزمن في قرارات تخصيص رأس المال سيكونون في موقع أفضل للاستفادة من الفرص التي ستظهر مع اكتمال دورات رؤية 2030 وما بعدها، مؤكدًا أنه في بيئة تتسم بتقلب أسعار الفائدة والتوترات الجيوسياسية وتسارع التطورات التقنية، يظل الأفق الطويل أحد أندر وأهم المزايا التنافسية في الاستثمار.
