سامر شقير: الائتمان الخاص والصكوك يُعيدان رسم تمويل طفرة مراكز البيانات السعودية
قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن طفرة مراكز البيانات في المملكة العربية السعودية تدخل مرحلة تمويلية جديدة، مع احتمال وصول إجمالي الاحتياجات الرأسمالية للقطاع إلى نحو 42 مليار دولار بحلول نهاية العقد، فيما قد تصل احتياجات الدين إلى نحو 32 مليار دولار في السيناريوهات الأكثر طموحًا، وهو ما يفرض تنويع مصادر التمويل وعدم الاعتماد على البنوك المحلية وحدها.
وأوضح سامر شقير، أن التسارع الكبير في استثمارات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، إلى جانب تنامي الطلب الحكومي على قدرات الحوسبة ومتطلبات سيادة البيانات، يدفع البنية التحتية الرقمية إلى موقع متقدم ضمن أولويات تخصيص رأس المال في الاقتصاد السعودي، مؤكدًا أن الائتمان الخاص والصكوك مرشحان للعب دور متزايد إلى جانب التمويل المصرفي التقليدي.
وأشار سامر شقير، إلى أن هذه الديناميكية تمثل تحولًا في طبيعة الاستثمار المؤسسي في المملكة، حيث أصبحت البنية التحتية الرقمية فئة أصول تستقطب اهتمام صناديق الثروة السيادية ومديري الأصول وصناديق البنية التحتية والمستثمرين في الائتمان الخاص، في ظل نمو طويل الأجل مدفوع بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي ورؤية 2030.
وقال سامر شقير: إن الإغلاق المالي للمشاريع لن يكون متساويا بين مختلف المطورين، موضحًا أن رأس المال سيتجه بصورة أكبر إلى المشاريع المرتبطة بجهات سيادية قوية أو التي تمتلك عقود إيجار طويلة الأجل مع مستأجرين ذوي جودة ائتمانية مرتفعة، بما يوفر وضوحًا أكبر للتدفقات النقدية ويخفض المخاطر التمويلية.
وأضاف سامر شقير، أن المشاريع الأقل ارتباطًا بجهات قوية أو التي تعتمد على توقعات مستقبلية غير مؤكدة ستواجه ضغوطًا أكبر على تكلفة التمويل وتوقيت الإغلاق المالي، خصوصًا مع منافسة مشاريع البنية التحتية الأخرى المرتبطة برؤية 2030 على السيولة المصرفية.
وأوضح سامر شقير، أن الاقتصاد السعودي يشهد تحولًا بنيويًّا في الطلب على البنية التحتية الرقمية، حيث ارتفعت القدرة المركبة لمراكز البيانات إلى نحو 410 ميغاواط، مع توقعات بوصولها إلى قرابة غيغاواط بحلول عام 2030 في السيناريو الأساسي، في حين تستهدف مشاريع مرتبطة بصندوق الاستثمارات العامة، وعلى رأسها شركة هيوماين، قدرات تتجاوز 6 غيغاواط على مدار العقد.
وأشار شقير، إلى أن هذا النمو يستند إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها الطلب الحكومي الكبير على الحوسبة، والتشريعات المرتبطة بالاحتفاظ بالبيانات داخل المملكة، وتوجُّه شركات الخدمات السحابية العالمية بصورة متزايدة نحو استئجار قدرات مراكز البيانات بدلًا من بناء منشآت مملوكة لها بالكامل في الأسواق الجديدة.
وأضاف شقير، أن وفرة الأراضي والطاقة بأسعار تنافسية تمثل عوامل إضافية تعزز جاذبية المملكة كمركز إقليمي للبنية التحتية الرقمية، إلا أن حجم الطموحات الاستثمارية يفرض في المقابل تحديات كبيرة أمام نماذج التمويل التقليدية.
وأوضح سامر شقير، أن تقديرات السيناريو الأساسي تشير إلى احتياجات رأسمالية تتراوح بين 7 و9 مليارات دولار، منها ديون تتراوح بين 3.5 و7 مليارات دولار، بينما يرفع السيناريو الأكثر طموحًا، الذي يفترض تشغيل نصف القدرات المعلنة بما يعادل نحو 2.5 إلى 3 غيغاواط، الاحتياجات الرأسمالية إلى نطاق يتراوح بين 28 و42 مليار دولار، مع احتياجات دين تصل إلى ما بين 14 و32 مليار دولار، قائلًا: إن هذه الأرقام توضح أن حجم التمويل المطلوب يتجاوز ما تستطيع البنوك السعودية تجميعه بمفردها بسهولة، خصوصًا في ظل المنافسة بين مراكز البيانات ومشاريع البنية التحتية الأخرى على القدرات الإقراضية والسيولة.
وأكد شقير، أن هذا الواقع يفتح المجال أمام الائتمان الخاص والصكوك ليصبحا جزءًا أساسيًّا من منظومة تمويل مراكز البيانات السعودية، موضحًا أن لكل أداة دورًا مختلفًا وفقًا لمرحلة المشروع ومستوى المخاطر.
وعلى المستوى العالمي، أشار سامر شقير إلى أن السعودية ليست حالة منفردة في مواجهة التحدي التمويلي لمراكز البيانات، إذ تواجه الأسواق المتقدمة بدورها احتياجات ضخمة لتوسيع قدرات الحوسبة اللازمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يدفع المستثمرين العالميين إلى البحث عن فرص في البنية التحتية الرقمية.
وأوضح شقير، أن اهتمام شركات الاستثمار العالمية بالبنية التحتية التقنية في منطقة الخليج يعزز جاذبية السوق السعودية، خصوصًا في ظل توافر الطلب المحلي والإطار التنظيمي الداعم للاستثمار الأجنبي المباشر في القطاع الرقمي، قائلًا: إن مراكز البيانات تجمع بين خصائص البنية التحتية التقليدية وخصائص قطاعات النمو التقني، فهي من جهة تتمتع بعقود طويلة الأجل وتدفقات نقدية مستقرة نسبيًّا، ومن جهة أخرى تستفيد من النمو الهيكلي للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
وأشار شقير، إلى أن هذه الطبيعة المزدوجة تجعلها جذابة للمستثمرين المؤسسيين الذين يبحثون عن أصول توفر تدفقات نقدية طويلة الأجل مع إمكانية الاستفادة من نمو الطلب على التكنولوجيا، مؤكدًا أن المستثمرين سيركزون بصورة متزايدة على الهياكل التي تفصل بين مخاطر البناء ومخاطر التشغيل، مع الاعتماد على قوة المستأجر الرئيسي وجودة عقوده وتصنيفه الائتماني عند تقييم قابلية المشروع للتمويل.
وأضاف شقير، أن الربط بشبكة الكهرباء وتأمين إمدادات الطاقة سيظلان من أهم العوامل المحددة للجدوى التمويلية، خصوصًا مع ارتفاع كثافة استهلاك الطاقة في منشآت الحوسبة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، قائلًا: "التركيز المفرط على حجم القدرة المستهدفة دون الاهتمام بجودة هيكل التمويل قد يؤدي إلى تأخيرات في الإغلاق المالي لبعض المشاريع، المستثمرون المؤسسيون يبحثون اليوم عن وضوح في توزيع المخاطر عبر دورة حياة الأصل، من مرحلة التطوير إلى الاستقرار التشغيلي ثم إعادة التمويل طويل الأجل".
وأوضح شقير، أن الصكوك المرتبطة بمراكز البيانات يمكن أن تمثل أداة جديدة لتوسيع قاعدة المستثمرين المحليين والدوليين، خصوصًا مع تطور أسواق الدين السعودية وتنامي دور أدوات الدين الخاصة.
وأشار شقير، إلى أن الصكوك يمكن أن تمنح مشاريع البنية التحتية الرقمية إمكانية الوصول إلى قاعدة أوسع من المستثمرين الذين يفضلون الأدوات المتوافقة مع الشريعة، في حين يمكن للائتمان الخاص أن يوفر تمويلًا أكثر مرونة خلال المراحل التي يصعب فيها الاعتماد على أسواق الدين العامة.
وأكد شقير، أن هذا المزيج يمكن أن يسمح بتوزيع المخاطر بصورة أكثر كفاءة بين المطورين والمقرضين والمستثمرين، بدلًا من تحميل القطاع المصرفي كامل احتياجات التمويل منذ مرحلة التطوير وحتى الاستقرار التشغيلي.
وأضاف شقير، أن المشاريع الخاصة ستحتاج إلى هياكل تمويلية أكثر ابتكارًا تجمع بين حقوق الملكية والدين والائتمان الخاص، بما يسمح بمواءمة تكلفة رأس المال مع المخاطر المختلفة التي يواجهها المشروع في كل مرحلة.
وأشار شقير، إلى أن توسع قطاع مراكز البيانات ستكون له آثار اقتصادية تتجاوز البنية التحتية الرقمية، إذ يدعم الطلب على الطاقة والمهارات التقنية والخدمات اللوجستية والعقارات الصناعية، ويعزز مكانة الاقتصاد السعودي في سلاسل القيمة العالمية للاقتصاد الرقمي.
وقال شقير: إن الفرصة الاستثمارية الحقيقية لا تكمن في حجم القدرة المعلنة وحده، وإنما في القدرة على انتقاء المشاريع التي تجمع بين الموقع الاستراتيجي والعقود المستقرة وهيكل التمويل المرن.
وأضاف شقير: "الفرصة الاستثمارية الحقيقية تكمن في القدرة على انتقاء المشاريع التي تجمع بين موقع استراتيجي وعقود مستقرة وهيكل تمويل مرن، رأس المال المؤسسي الذي يدخل الآن في مراحل مبكرة بشروط مناسبة قد يحقق عوائد أعلى مع نضوج السوق واستقرار التدفقات".
وأكد شقير، أن التحدي الأكبر لا يتعلق بتوفر الطلب، وإنما بمواءمة سرعة تنفيذ المشاريع مع قدرة الأسواق المالية على استيعاب هذا الحجم من الدين دون إحداث ضغوط كبيرة على التسعير أو السيولة.
وأوضح شقير، أن نجاح السوق السعودية في تطوير نموذج تمويلي متنوع لمراكز البيانات سيكون عاملًا حاسمًا في تحويل الطلب المتوقع على الحوسبة إلى أصول تشغيلية قادرة على توليد تدفقات نقدية مستقرة، مشيرًا إلى أن التأخر في الإغلاق المالي يمكن أن يصبح أحد أهم القيود على سرعة تنفيذ المشاريع خلال السنوات المقبلة.
واختتم رائد الاستثمار سامر شقير بالتأكيد على أن المشهد التمويلي لمراكز البيانات السعودية يتجه نحو نموذج أكثر تنوعًا يعتمد على مزيج من البنوك والائتمان الخاص والصكوك والمستثمرين المؤسسيين العالميين، مع اختلاف دور كل مصدر تمويل بحسب مرحلة المشروع ومستوى المخاطر.
