صناديق الأسهم الخاصة تُُعيد رسم خريطة تخصيص رأس المال العالمي.. سامر شقير يرصد تحولات الاستثمار المؤسسي
قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن صناديق الأسهم الخاصة واصلت خلال عام 2026 جذب تدفقات مؤسسية ضخمة، رغم التحديات المتراكمة التي تواجه عمليات التخارج، مشيرًا إلى أن إجمالي الأصول التي تديرها هذه الصناعة عالميًّا تجاوز 8 تريليونات دولار.
وأضاف شقير، أن شركات كبرى مثل «بلاكستون» أصبحت تمثل نموذجًا واضحًا لحجم التحول الذي تشهده صناعة الأصول البديلة، بعدما تجاوزت أصولها تحت الإدارة 1.3 تريليون دولار، في وقت تخطى فيه قطاع الأسهم الخاصة لديها 400 مليار دولار.
وأوضح شقير، أن نموذج عمل صناديق الأسهم الخاصة يقوم بصورة أساسية على جمع رؤوس الأموال من المؤسسات الاستثمارية طويلة الأجل، وعلى رأسها صناديق التقاعد والأوقاف الجامعية والصناديق السيادية، ثم توظيف هذه الأموال في شراء حصص مسيطرة في الشركات المستهدفة، والعمل على تحسين أدائها وإعادة هيكلة رأس مالها وتعزيز قدرتها على النمو، قبل التخارج من الاستثمارات عبر البيع لمستثمر استراتيجي أو من خلال طرح عام أو بيع ثانوي.
وأكد شقير، أن فهم هذه الآليات لم يعد مجرد معرفة فنية تخص المتخصصين في الأسواق، بل أصبح «ضرورة استراتيجية» أمام المستثمرين المؤسسيين في المنطقة، خصوصًا مع انتقال رأس المال الخليجي بصورة متزايدة نحو الاستثمار النشط في الأصول البديلة، في إطار التحولات الاقتصادية التي تقودها رؤية 2030.
ارتفاع تكلفة التمويل يختبر قدرة الصناديق على خلق القيمة
وأشار سامر شقير، إلى أن أسواق رأس المال العالمية أصبحت تواجه ضغوطًا متزايدة تدفعها إلى إعادة تقييم موقع الأسهم الخاصة باعتبارها إحدى فئات الأصول الرئيسية، موضحًا أن ارتفاع تكاليف التمويل وتباطؤ أسواق الاكتتابات العامة الأولية فرضا تحديات جديدة أمام نماذج الاستثمار التقليدية.
وقال شقير: إن صناديق الأسهم الخاصة، رغم هذه الضغوط، احتفظت بقدرة كبيرة على حشد السيولة المؤسسية وتوجيهها نحو الاستحواذ على الشركات وإعادة هيكلتها، وهو ما منحها دورًا متزايدًا في إعادة توزيع رأس المال العالمي.
ولفت شقير، إلى أن هذا التحول تزامن مع زيادة ملحوظة في تخصيصات المستثمرين السياديين في الخليج للأصول البديلة، مدفوعة بالحاجة إلى تحقيق عوائد مستقرة وتنويع المحافظ الاستثمارية بعيدًا عن الأسواق العامة التقليدية.
كيف تعمل صناديق الأسهم الخاصة؟
شرح سامر شقير، أن دورة الاستثمار في صناديق الأسهم الخاصة تبدأ عادة بجمع رأس المال من «الشركاء المحدودين»، وهم في الغالب مؤسسات ذات أفق استثماري طويل، مثل صناديق التقاعد والأوقاف الجامعية والصناديق السيادية.
وأضاف شقير، أن «الشريك العام» يقدم عادة التزامًا رأسماليًّا صغيرًا نسبيًّا، قبل أن تُستخدم الأموال التي جرى جمعها، والمدعومة في كثير من الحالات بالديون، للاستحواذ على حصص مسيطرة في الشركات المستهدفة، مؤكدًا أن الهدف الأساسي من هذا النموذج لم يكن المضاربة قصيرة الأجل، وإنما تحسين العمليات التشغيلية للشركات، وإعادة هيكلة رأس المال، وتعزيز النمو، ثم التخارج من الاستثمار في مرحلة لاحقة من خلال البيع إلى مستثمر استراتيجي، أو تنفيذ طرح عام، أو إجراء بيع ثانوي.
وقال شقير: إن نجاح هذه الدورة الاستثمارية كان يعتمد على ثلاثة محاور مترابطة، هي جودة مصادر رأس المال، وقدرة الشريك العام على خلق قيمة تشغيلية حقيقية، والانضباط في اختيار توقيت التخارج.
أكثر من 33 ألف شركة تنتظر التخارج
وحذر سامر شقير، من أن تجاهل هذه المحاور قد يعرِّض المستثمرين المؤسسيين لمخاطر سيولة غير متوقعة، خصوصًا في ظل تراكم أكثر من 33 ألف شركة غير مباعة داخل محافظ صناديق الأسهم الخاصة عالميًّا حتى منتصف عام 2026.
وأوضح شقير، أن هذا التراكم يعكس التحدي الذي تواجهه الصناعة في تحويل الاستثمارات القائمة إلى توزيعات نقدية فعلية، في وقت أصبحت فيه عمليات البيع أكثر تعقيدًا بسبب اختلاف توقعات البائعين والمشترين بشأن التقييمات، إلى جانب ارتفاع تكلفة التمويل وتباطؤ أسواق الطروحات العامة.
وأشار شقير، إلى أن قدرة مدير الصندوق على خلق قيمة تشغيلية حقيقية أصبحت أكثر أهمية من مجرد الاعتماد على ارتفاع التقييمات أو توفر التمويل الرخيص.
بلاكستون.. نموذج لصعود الاستراتيجيات متعددة الأصول
وقال سامر شقير: إن شركات كبرى مثل «بلاكستون» استفادت من نموذج استثماري متعدد الاستراتيجيات تجاوز نطاق الاستحواذات التقليدية، ليشمل البنية التحتية والائتمان والعقارات والأصول الدائمة.
وأوضح شقير، أن إجمالي أصول «بلاكستون» تحت الإدارة بلغ نحو 1.3 تريليون دولار، فيما تجاوزت مساهمة قطاع الأسهم الخاصة لديها 400 مليار دولار، وهو ما يعكس اتساع نطاق صناعة الأصول البديلة وقدرتها على استقطاب رؤوس أموال ضخمة من المؤسسات الاستثمارية.
وأضاف شقير، أن الصناعة شهدت تحولًا تدريجيًّا من نموذج «الشراء والضغط» إلى نموذج «الشراء والبناء»، الذي يركز على تحقيق نمو طويل الأجل للشركات المستحوذ عليها بدلًا من الاعتماد بصورة أساسية على خفض التكاليف أو زيادة الرافعة المالية.
وأكد شقير، أن هذا النموذج أصبح أكثر ارتباطًا بقطاعات ذات تحولات هيكلية قوية، وفي مقدمتها البنية التحتية الرقمية والطاقة والخدمات اللوجستية.
الخليج يعزز حضوره في سوق الأسهم الخاصة
وفيما يتعلق بالاقتصاد السعودي والخليجي، قال سامر شقير: إن أهمية هذه الآليات الاستثمارية تزايدت بصورة واضحة، في ظل الانتعاش الذي شهدته صفقات الأسهم الخاصة في المملكة خلال النصف الأول من 2026.
وأوضح شقير، أن هذا الانتعاش جاء مدعومًا بزيادة ثقة الشركاء المحدودين المحليين والصناديق الحكومية، بالتزامن مع توسع دور المؤسسات الخليجية في أسواق الأصول البديلة.
وأشار شقير، إلى أن «هيئة الاستثمار العامة» لعبت دورًا محوريًّا باعتبارها مستثمرًا مباشرًا وشريكًا محدودًا في صناديق عالمية، بما يدعم أهداف التنويع الاقتصادي والاستثماري المرتبطة برؤية 2030.
وقال شقير: إن الصناديق السيادية الخليجية لم تعد مجرد مزود لرأس المال، وإنما تحولت إلى أطراف فاعلة في هيكلة الصفقات الكبرى، مستفيدة من أفقها الزمني الطويل وقدرتها على تحمل مستويات من المخاطر قد لا تستطيع الصناديق التقليدية ذات الآجال المحددة تحملها.
الرسوم والحوكمة تحت رقابة المستثمرين
وأوضح سامر شقير، أن تخصيص رأس المال داخل صناديق الأسهم الخاصة يخضع لهيكل مالي وانضباط استثماري صارمين، مشيرًا إلى أن الشريك العام يفرض عادة رسوم إدارة سنوية في حدود 2% من الأصول الملتزم بها، إلى جانب حصة أداء تصل إلى 20% من الأرباح فوق عتبة محددة.
وأضاف شقير، أن هذا الهيكل صُمم لتحفيز مدير الصندوق على تحقيق عوائد مرتفعة، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى تضارب محتمل في المصالح، إذا أصبح التركيز منصبًا على زيادة حجم الأصول المدارة بدلًا من تحسين جودة العوائد المحققة للمستثمرين.
وأكد شقير، أن المستثمرين في المنطقة أصبحوا بحاجة إلى تدقيق أكثر عمقًا في هياكل الحوكمة وشروط التخارج قبل الالتزام بأي صندوق، خصوصًا مع تزايد ظهور الصناديق الدائمة التي توفر سيولة جزئية للمستثمرين الأفراد والمؤسسات الصغيرة.
البنية الرقمية والطاقة والرعاية الصحية في صدارة الفرص
وعلى المستوى القطاعي، قال سامر شقير: إن الفرص الاستثمارية الأكثر جاذبية في المرحلة الحالية تتركز في القطاعات التي تتوافق مع التحولات الهيكلية طويلة الأجل.
وأوضح شقير، أن من أبرز هذه القطاعات البنية التحتية الرقمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والطاقة الانتقالية، والرعاية الصحية، والخدمات اللوجستية.
وأشار شقير، إلى أن الضغوط الأكبر تظهر في الشركات التي تعتمد بدرجة مرتفعة على الرافعة المالية، والتي تواجه صعوبات في إعادة التمويل أو تنفيذ عمليات التخارج عند تقييمات تتوافق مع توقعات الشركاء المحدودين.
وأكد شقير، أن ارتفاع تكلفة التمويل جعل هيكل رأس المال عاملًا أكثر حساسية في تقييم جاذبية الصفقات، خصوصًا بالنسبة إلى الشركات التي تعتمد على الديون لتحقيق العوائد المستهدفة.
الصناديق الثانوية ورأس المال الدائم يقدمان حلولًا للسيولة
وقال سامر شقير: إن التطورات في الأسواق العالمية ترافقت مع تركيز متزايد على نماذج رأس المال الدائم والصناديق الثانوية، باعتبارها أدوات توفر سيولة للمستثمرين الذين يرغبون في الخروج من استثماراتهم قبل نهاية الأجل التقليدي للصندوق.
وأوضح شقير، أن نجاح «بلاكستون» في جمع مليارات الدولارات لصالح سلسلة صناديقها الثانوية عكس استمرار الطلب المؤسسي على هذه الأدوات، رغم التحديات التي تواجه عمليات التخارج في سوق الأسهم الخاصة، مضيفًا أن الصناديق الثانوية أصبحت جزءًا مهمًا من منظومة السيولة في السوق، لأنها تسمح بإعادة توزيع الملكية بدلًا من انتظار بيع الأصول الأساسية في ظروف قد لا تكون مواتية.
التحدي الأكبر.. تحويل المخزون إلى سيولة
وأكد سامر شقير، أن التحدي الأكبر أمام صناعة الأسهم الخاصة في 2026 تمثل في تحويل المخزون المتراكم من الشركات إلى سيولة حقيقية، من دون التضحية بمستويات العائد المستهدفة.
وأشار شقير، إلى أن المستثمرين المؤسسيين، بمَن فيهم الصناديق السيادية وصناديق التقاعد، أصبحوا يراقبون بصورة أكثر دقة معدلات التوزيعات النقدية، إلى جانب قدرة الشركاء العامين على تحقيق عوائد صافية تتفوق على أداء الأسواق العامة بعد خصم الرسوم، قائلًا: إن نجاح الصندوق لم يعد يقاس فقط بحجم الأموال التي نجح في جمعها، وإنما بقدرته على تحويل تلك الالتزامات الرأسمالية إلى أرباح وتوزيعات نقدية فعلية ضمن إطار زمني مقبول.
إعادة توازن في تخصيص رأس المال
ومن منظور استراتيجي، توقع سامر شقير أن تشهد المرحلة المقبلة إعادة توازن في تخصيص رأس المال المؤسسي، باتجاه مزيج أكثر انتقائية يجمع بين صناديق الأسهم الخاصة التقليدية، والصناديق الدائمة، والاستثمارات المشتركة المباشرة.
وأكد شقير، أن المنافسة المقبلة لن تُحسم لصالح الصناديق التي تجمع أكبر حجم من الأصول، وإنما لصالح المديرين القادرين على إثبات امتلاكهم قدرة مستدامة على خلق قيمة تشغيلية حقيقية، خصوصًا في بيئة تتسم بارتفاع تكلفة التمويل وارتفاع سقف توقعات الشركاء المحدودين.
وأوضح شقير، أن هذه المعادلة تعني أن مديري الصناديق سيحتاجون إلى الاعتماد بدرجة أكبر على تحسين الأداء التشغيلي للشركات، بدلًا من الاتكال على الرافعة المالية أو ارتفاع مضاعفات التقييم لتحقيق العوائد.
فرص جديدة للسعودية والخليج
وقال سامر شقير: إن هذا المشهد يفتح أمام المستثمرين في السعودية والخليج مجموعة واسعة من الفرص، سواء عبر الدخول كشركاء محدودين في صناديق عالمية رائدة، أو من خلال تطوير منصات استثمارية محلية قادرة على استقطاب رأس المال الأجنبي إلى الأصول المرتبطة بمشروعات رؤية 2030.
وأضاف شقير، أن المنطقة تستطيع أيضًا الاستفادة من هذه المرحلة في بناء خبرات محلية متخصصة في إدارة الصفقات وعمليات التخارج، بما يعزز قدرتها على التحول إلى مركز رئيسي لتدفقات رأس المال البديل.
وأكد شقير، أن تطوير هذه الخبرات لن يقتصر أثره على جذب الأموال الأجنبية، وإنما يمكن أن يسهم في بناء منظومة استثمارية محلية أكثر قدرة على تقييم الأصول وإدارة المخاطر وهيكلة الصفقات وتحقيق التخارجات.
الأسهم الخاصة تظل أداة رئيسية لإعادة تخصيص رأس المال
وفي ختام تحليله، قال سامر شقير: إن صناديق الأسهم الخاصة ستظل أداة أساسية لإعادة تخصيص رأس المال باتجاه الأصول الإنتاجية طويلة الأجل، رغم التحديات التي تواجهها الصناعة في 2026.
وأوضح شقير، أن فعالية هذا النموذج ستظل مرتبطة بثلاثة عوامل رئيسية، هي انضباط رأس المال، وجودة الحوكمة، والقدرة على التكيف مع دورات التخارج المتغيرة، مؤكدًا أن المستثمرين الذين يمتلكون فهمًا عميقًا لآليات عمل هذه الصناديق، ويتعاملون معها من منظور مؤسسي طويل الأجل، سيكونون الأكثر قدرة على الاستفادة من الفرص التي تتيحها تحولات أسواق رأس المال خلال عام 2026 وما بعده.
وأضاف شقير، أن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد سباق لجمع المزيد من الأموال، وإنما اختبارًا لقدرة صناعة الأسهم الخاصة على إثبات أن رأس المال المؤسسي يمكن تحويله إلى قيمة تشغيلية مستدامة وعوائد حقيقية، في ظل بيئة تمويل أكثر تكلفة، وأسواق خروج أكثر انتقائية، ومستثمرين أصبحوا أكثر تشددًا في تقييم النتائج.
