أخبار 24 ساعة

سامر شقير: كوريا الجنوبية تحوُّل الرضع إلى مساهمين وتكشف تحولًا هيكليًّا في تشكيل الثروة الأسرية

الأحد 9 أغسطس 2026 03:24 مـ 24 صفر 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن تحول الأسر في كوريا الجنوبية إلى فتح حسابات أوراق مالية للأطفال منذ الأشهر الأولى من حياتهم يمثل «اختبارًا حيًّا لقوة الأفق الزمني في بناء الثروة»، مشيرًا إلى أن هذه الظاهرة تكشف تغيرًا أعمق في طريقة تشكيل رأس المال الأسري وتخصيص المدخرات عبر الأجيال.

وأوضح شقير، أن الأسر التي بدأت تحول جزءًا من مدخراتها إلى أصول منتجة منذ اليوم الأول لولادة الطفل كانت تبني ميزة تراكمية يصعب تعويضها في المراحل اللاحقة، معتبرًا أن الأمر تجاوز مفهوم التعليم المالي التقليدي ليصبح إعادة توجيه لتدفقات رأس المال الأسري نحو الأسواق بدلًا من الاستهلاك أو الاحتفاظ بالودائع.

وأضاف شقير، أن دخول الأطفال إلى سوق الأسهم في سن مبكرة للغاية جاء مدفوعًا بمزيج من طفرة الذكاء الاصطناعي في الأسهم الكورية، والأداء القوي لقطاع أشباه الموصلات، والمزايا الضريبية المرتبطة بنقل الأصول العائلية، وهو ما جعل الاستثمار طويل الأجل جزءًا متزايد الأهمية من التخطيط المالي للأسر.

15 ألف حساب للأطفال دون عام واحد

تشير بيانات شركة «ميراي أسيت سيكيوريتيز»، أكبر شركات الوساطة في كوريا الجنوبية من حيث القيمة السوقية، إلى أن عدد حسابات الأوراق المالية للأطفال دون سن العام الواحد ارتفع إلى نحو 15 ألف حساب بحلول يونيو 2026، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف مستواه قبل عام.

وفي الوقت نفسه، ارتفع عدد الحسابات الجديدة لمن هم دون التاسعة بنحو 60% ليصل إلى حوالي 185 ألف حساب بعد استبعاد الحسابات المكررة.

وقال سامر شقير: إن هذه الأرقام لم تكن مجرد إحصائية ظرفية مرتبطة بصعود السوق، وإنما عكست تغيرًا في سلوك الأسر الكورية، التي بدأت تنظر إلى الأسهم باعتبارها وسيلة لبناء رأس المال على مدى أجيال.

وأشار شقير، إلى أن هذا التحول جاء في وقت شهد فيه السوق الكوري موجة صعود قوية مدفوعة بالطلب العالمي على الرقائق المستخدمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ما عزز شهية الأسر نحو الأصول ذات العائد المحتمل الأعلى مقارنة بالودائع المصرفية.

طفرة «كوسبي» تدفع الأسر نحو الأسهم

وأوضح سامر شقير، أن مؤشر «كوسبي» سجل واحدة من أقوى الموجات الصاعدة عالميًّا خلال الفترة الأخيرة، مستفيدًا من الطلب الهائل على رقائق الذاكرة المستخدمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وأضاف شقير، أن شركتي «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس» أصبحتا تمثلان حصة مهيمنة من رسملة السوق، بالتزامن مع تحقيق أرباح تجاوزت التوقعات بصورة كبيرة.

وقال شقير: إن هذا الزخم جذب سيولة محلية وأجنبية إلى السوق، ودفع الأسر الكورية إلى البحث عن أدوات استثمارية تتجاوز الودائع المصرفية التي توفر عوائد منخفضة نسبيًّا في ظل بيئة أسعار فائدة متغيرة.

وأشار شقير، إلى أن قوة قطاع أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي جعلت الأسهم المرتبطة بهذه القطاعات جذابة ليس فقط للمستثمرين المحترفين، وإنما أيضًا للأسر التي تخطط لتكوين ثروة طويلة الأجل لأبنائها.

التسهيلات التنظيمية تعزز الاستثمار المبكر

ولفت سامر شقير، إلى أن التحول لم يكن مدفوعًا بالسوق وحده، بل استفاد أيضًا من تسهيلات تنظيمية بدأت منذ 2023، عندما أصبح بإمكان الأوصياء فتح الحسابات عن بُعد عبر الهواتف الذكية من دون الحاجة إلى زيارة الفروع.

وأوضح شقير، أن الإطار الضريبي شكل حافزًا إضافيًّا، إذ يصل الإعفاء الضريبي على الهدايا المقدمة للأبناء القصر إلى 20 مليون وون كل عشر سنوات، قائلًا: إن هذا النظام جعل تحويل الأصول إلى حساب استثماري باسم الطفل وسيلة فعالة للاستفادة من النمو الرأسمالي اللاحق دون أعباء ضريبية إضافية على المكاسب.

وأضاف شقير، أن النتيجة تمثلت في اتجاه عدد متزايد من الآباء إلى تخصيص مبالغ شهرية منتظمة لأطفالهم، غالبًا عبر صناديق متداولة تتبع مؤشر «إس آند بي 500» أو عبر أسهم أشباه الموصلات الكورية والأمريكية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي المادي.

من الادخار إلى بناء رأس المال

وأكد سامر شقير، أن ما يحدث في كوريا الجنوبية تجاوز حدود المضاربة قصيرة الأجل، واعتبره انتقالًا من ثقافة الادخار النقدي والعقاري التقليدي إلى ثقافة الاستثمار في الأصول الإنتاجية منذ السنوات الأولى من حياة الطفل.

وأوضح شقير، أن الآباء الذين كانوا ينتظرون حتى سن الرابعة أو الخامسة قبل فتح حسابات استثمارية لأطفالهم أصبحوا يفعلون ذلك فور الولادة، انطلاقًا من قناعة بأن الزمن والفائدة المركبة يمثلان الهدية الأهم التي يمكن تقديمها للأجيال الجديدة، قائلًا: إن هذا السلوك قد يعزز الطلب الهيكلي على الأسهم، خصوصًا في القطاعات التي تتمتع بأفق نمو طويل مثل التكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية.

وأضاف شقير، أن أهمية الظاهرة بالنسبة للمستثمرين المؤسسيين تكمن في أنها تكشف مصدرًا جديدًا للسيولة المحلية يمكن أن يدعم الأسواق حتى خلال فترات التقلب.

الطلب على الأسهم أصبح جزءًا من التخطيط الجيلي

وقال سامر شقير: إنه عندما يصبح الطفل مساهمًا قبل أن يتعلم المشي، فإن الرسالة التي تصل إلى الأسواق هي أن الطلب على الأسهم لم يعد دوريًّا فحسب، بل أصبح جزءًا من التخطيط الجيلي.

وأشار شقير، إلى أن المستثمرين المؤسسيين الذين يتجاهلون هذا البعد قد يفشلون في فهم أحد مصادر السيولة الهيكلية المهمة في الأسواق الآسيوية.

وأوضح شقير، أن الحسابات الجديدة استمرت في الارتفاع حتى خلال الأشهر التي شهدت تصحيحات حادة في السوق الكوري، وهو ما أظهر أن جزءًا من المستثمرين الأسرى بات ينظر إلى الاستثمار من زاوية الأفق الطويل وليس من خلال توقيت السوق.

التدفقات تتجاوز السوق الكورية

وأشار سامر شقير، إلى أن جزءًا متزايدًا من الأموال المخصصة لحسابات الأطفال بدأ يتجه أيضًا إلى الأسواق الخارجية، ولا سيما الصناديق الأمريكية، بحثًا عن تنويع بعيدًا عن التركُّز المرتفع في الأسهم المحلية.

وأوضح شقير، أن هذا السلوك يعكس تطورًا في وعي المستثمر الفردي الكوري، حيث لم تعد الأسرة تنظر إلى السوق المحلية باعتبارها الوجهة الوحيدة لرأس المال، بل بدأت تستخدم الأدوات العالمية لبناء محفظة أكثر تنوعًا.

وأضاف شقير، أن انتشار الصناديق المتداولة منخفضة التكلفة سهّل على الأسر الوصول إلى الأسواق الخارجية دون الحاجة إلى إدارة محافظ معقدة.

الذكاء الاصطناعي.. فرصة ومصدر للمخاطر

وحذر سامر شقير من أن التركُّز الكبير في قطاعات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات يحمل في الوقت نفسه فرصًا ومخاطر.

وقال شقير: «إن المكاسب الاستثنائية في كوسبي مدفوعة بعوامل أساسية قوية، لكن الاعتماد المفرط على قطاع واحد يجعل المحافظ الأسرية عرضة لتقلبات الدورة التكنولوجية».

وأضاف شقير، أن التنويع نحو الأسواق العالمية والصناديق المتداولة أصبح خيارًا عقلانيًّا للأسر الكورية، معتبرًا أن هذه التجربة تحمل درسًا مهمًا للمستثمرين في المنطقة.

وأوضح شقير، أن قوة الأرباح المرتبطة بأشباه الموصلات قد تدعم استمرار الزخم، لكن أي تغير في دورة الطلب العالمي على الرقائق أو الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي إلى تقلبات حادة في تقييمات الأسهم.

السيولة الأسرية تتحول إلى عامل هيكلي

ومن منظور رأس المال المؤسسي، أوضح سامر شقير أن استمرار تدفقات الأسر إلى الحسابات الاستثمارية يمثل تحولًا مهمًا في مصادر الطلب على الأسهم المحلية.

وأشار شقير، إلى أن السيولة الأسرية، التي كانت تتركز تقليديًّا في الودائع والعقارات، أصبحت تتحول بصورة متزايدة إلى الأصول المالية، وهو ما قد يوفر دعمًا أكثر استدامة للأسواق.

وأضاف شقير، أن الأفق الطويل الذي تتبناه الأسر عند الاستثمار باسم الأطفال يمكن أن يخفف من حساسية هذه التدفقات لتقلبات السوق قصيرة الأجل، لأن الهدف الأساسي يصبح تراكم رأس المال على مدى سنوات أو عقود.

فرص جديدة لشركات الوساطة والمنتجات المالية

وأوضح سامر شقير، أن هذا التحول يفتح فرصًا أمام شركات الوساطة والتمويل التي تطور منتجات مخصصة للأطفال والعائلات، بما في ذلك الصناديق التعليمية والأدوات الاستثمارية منخفضة الرسوم.

وقال شقير: إن توسع قاعدة المستثمرين من الأطفال يمكن أن يدفع المؤسسات المالية إلى ابتكار منتجات مصممة خصيصًا للأفق الزمني الطويل، بدلًا من الاعتماد فقط على منتجات التداول التقليدية.

وأضاف شقير، أن هذه الديناميكية يمكن أن تعزز الطلب على المنتجات الاستثمارية طويلة الأجل، سواء في الأسهم أو الصناديق المتداولة أو حتى أدوات الائتمان الخاص المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية.

المخاطر التنظيمية وسوء استخدام الحسابات

وحذر سامر شقير من أن الحسابات التي يديرها الآباء قد تتحول في بعض الحالات إلى أدوات للتداول قصير الأجل بدلًا من استخدامها كوسيلة لتراكم الثروة.

وأشار شقير، إلى أن الإعفاء الضريبي المحدود قد يدفع بعض الأسر إلى محاولة تجاوز الحدود بصورة غير منظمة، ما يجعل الحاجة إلى رقابة تنظيمية أكثر دقة أمرًا ضروريًّا.

وأضاف شقير، أن التركُّز الجغرافي والقطاعي يتطلب بدوره إدارة نشطة للمخاطر، خصوصًا في ظل حساسية السوق الكوري لتدفقات رأس المال الأجنبي وتوقعات أرباح شركات أشباه الموصلات.

كوريا تقدم درسًا لصناديق التقاعد والمكاتب العائلية

وأشار سامر شقير، إلى أن التجربة الكورية تحمل دلالة أوسع بالنسبة لصناديق التقاعد والمكاتب العائلية العالمية.

وأوضح شقير، أن جيل الآباء في الأسواق الآسيوية المتقدمة بدأ يتعامل مع رأس المال بطريقة تقترب من منهجية مديري الأصول المؤسسيين، من خلال تخصيص رأس المال وفق الأفق الزمني بدلًا من التركيز على العائد الفوري، قائلًا: إن هذه النقلة قد تغير تدريجيًّا طبيعة الطلب على الأسهم في الأسواق الآسيوية، وتدفع نحو زيادة حصة الأصول المالية في محافظ الأسر.

الدرس الخليجي ورؤية 2030

وفي السياق الخليجي، ربط سامر شقير بين التجربة الكورية ومسار رؤية 2030، مشيرًا إلى أن التركيز على بناء رأس المال البشري والمالي للأجيال القادمة يتوافق مع توجهات صناديق الثروة السيادية والمكاتب العائلية في المملكة ودول الخليج.

وقال شقير: «إن الاستثمار المبكر في الأصول الإنتاجية، سواء عبر الأسواق أو المشاريع الاستراتيجية، يعزز القدرة على خلق قيمة مستدامة بعيدًا عن الدورات النفطية القصيرة».

وأوضح شقير، أن التجربة الكورية تقدم نموذجًا يمكن الاستفادة منه في بناء ثقافة استثمار طويلة الأجل، خصوصًا مع سعي الاقتصادات الخليجية إلى تنويع مصادر الثروة والدخل.

وأضاف شقير، أن الاستثمار الجيلي يمكن أن يتخذ في الخليج أشكالًا متعددة، من الاستثمار في الأسواق المالية إلى المشاريع الاستراتيجية والبنية التحتية والتكنولوجيا.

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل ثروة الأسر

وأشار سامر شقير، إلى أن الظاهرة الكورية جاءت ضمن تحول أوسع في طريقة تعامل الأسر مع رأس المال في عصر الذكاء الاصطناعي والنمو الديموغرافي المتباطئ.

وأوضح شقير، أن استمرار الطلب العالمي على الرقائق المتقدمة والبنية التحتية الرقمية سيبقي الأسهم المرتبطة بهذه القطاعات محط اهتمام المستثمرين، سواء كانوا آباء يفتحون حسابات لأطفالهم أو مؤسسات تدير محافظ بمليارات الدولارات، قائلًا: إن تغيُّر التركيبة الديموغرافية، إلى جانب ارتفاع أهمية التكنولوجيا، يدفع الأسر إلى التفكير في الثروة من منظور أكثر امتدادًا عبر الزمن.

الزمن هو الأصل الأغلى

وفي رؤيته الاستراتيجية، لخّص سامر شقير التجربة الكورية بالقول: «إن المستثمر الذي يفهم أن الزمن هو الأصل الأغلى في المعادلة الاستثمارية سيكون في موقع أفضل لالتقاط الفرص الهيكلية».

وأضاف شقير، أن كوريا الجنوبية تقدم اليوم نموذجًا عمليًّا لما يمكن أن يحدث عندما تتحول الأسر من مستهلكين للمدخرات إلى منتجين لرأس المال عبر الأسواق.

وأوضح شقير، أن أهمية هذه الظاهرة لا تكمن فقط في ارتفاع عدد الحسابات، وإنما في تغير طريقة تفكير الأسرة تجاه رأس المال، بحيث يصبح الاستثمار جزءًا من التخطيط المالي منذ الولادة.

تخصيص رأس المال عبر الأجيال

واختتم سامر شقير بأن تخصيص رأس المال على مدى أجيال لم يعد رفاهية بالنسبة لصناديق الثروة السيادية ومديري الأصول في المنطقة، بل أصبح ضرورة استراتيجية في بيئة تتسم بالتقلب التكنولوجي والتنافس المتزايد على العوائد الحقيقية.

وأشار شقير، إلى أن التجربة الكورية تكشف كيف يمكن لتحول بسيط في السلوك الأسري، مدعومًا بالتكنولوجيا والحوافز الضريبية وصعود قطاعات استراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، أن يتحول إلى مصدر هيكلي جديد للطلب على الأصول المالية.

وأكد شقير، أن المستثمرين الذين يدمجون الأفق الزمني والديموغرافيا وسلوك الأسر في نماذج تخصيص الأصول سيكونون أكثر قدرة على فهم مصادر السيولة المستقبلية والاستفادة من التحولات الهيكلية في الأسواق الآسيوية والعالمية.