أخبار 24 ساعة

سامر شقير: المستثمر الذكي لا يهرب من المخاطر المناخية بل يُعيد تخصيص رأس المال نحو الأصول

السبت 8 أغسطس 2026 03:49 مـ 23 صفر 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن الحريق الذي اجتاح غابات جنوب غرب فرنسا خلال صيف 2026، والذي أدى إلى تدمير أكثر من 42 ألف هكتار وإجلاء مئات الآلاف من الأشخاص، يمثل إشارة سوقية واضحة إلى أن المخاطر المناخية المادية لم تعد عاملًا مستقبليًّا يمكن تجاهله في قرارات الاستثمار، وإنما أصبحت عنصرًا مباشرًا في تسعير الأصول وتحديد تكلفة رأس المال وإعادة توزيع التدفقات الاستثمارية، خصوصا في أسواق التأمين والعقارات والبنية التحتية.

وأوضح سامر شقير، أن الحريق، الذي يعد الأكبر منذ عقود في المنطقة، كشف في الوقت نفسه عن فجوة هيكلية بين القواعد التنظيمية الخاصة بالوقاية من حرائق الغابات وبين مستوى تطبيقها على أرض الواقع، مشيرًا إلى أن هذا النوع من الفجوات يضيف طبقة جديدة من المخاطر التي يتعين على المستثمرين المؤسسيين وصناديق الثروة السيادية ومديري الأصول إدراجها ضمن عمليات العناية الواجبة ونماذج تقييم المخاطر.

وقال سامر شقير: إن الأسواق بدأت تدرك أن المخاطر المناخية المادية لم تعد عاملًا خارجيًّا يمكن تجاهله في نماذج التقييم، بل أصبحت عنصرًا أساسيًّا في حساب تكلفة رأس المال للأصول المعرضة، مضيفًا أن المستثمرين الذين يتجاهلون فجوة الامتثال التنظيمي في أوروبا يعرضون محافظهم لمخاطر قد لا تكون مسعرة بشكل كافٍ.

وأشار سامر شقير، إلى أن الحريق الذي اندلع غرب بوردو في منطقة جيروند أحرق مساحة تتجاوز أربعة أضعاف مساحة باريس تقريبًا، وأجبر السلطات على تنفيذ أكبر عملية إجلاء في زمن السلم في تاريخ فرنسا الحديث، وهو ما يسلط الضوء ليس فقط على حجم الضرر المادي، وإنما أيضًا على مدى تأثير مخاطر المناخ على النشاط الاقتصادي المحلي وسلاسل الإمداد والتأمين وأسواق العقارات.

وأضاف سامر شقير، أن ما يلفت انتباه المستثمرين بشكل خاص هو الإخفاق المتكرر في تطبيق قواعد واضحة كانت قائمة منذ سنوات، ومن بينها إلزام مالكي المنازل بإزالة النباتات ضمن نطاق يقارب 50 مترًا حول المباني، مع منح البلديات صلاحية فرض غرامات على المخالفين، وبعد حرائق عام 2022، دعا الرئيس الفرنسي آنذاك إلى تفعيل هذه القواعد، إلا أن مستوى الامتثال ظل ضعيفًا على المستوى الوطني، مع تقديرات رسمية وخبراء تشير إلى أن نسبة كبيرة من العقارات لا تلتزم بهذه المتطلبات.

وأكد سامر شقير، أن المشكلة لا تقتصر على حادث محلي أو موسم حرائق استثنائي، وإنما تكشف عن فجوة أوسع بين التشريع والقدرة التنفيذية، وبين تكلفة الوقاية وتكلفة الاستجابة، وهي فجوة أصبحت ذات أهمية مباشرة بالنسبة للمستثمرين المؤسسيين الذين يملكون تعرضًا كبيرًا للأصول الأوروبية، خصوصًا في قطاعات التأمين والعقار والغابات والسياحة والبنية التحتية.

وأوضح شقير، أن فرنسا سجلت خلال 2026 أعلى مساحة محروقة منذ عقود، متجاوزة المستويات المسجلة في عام 2022، في ظل موجات حر متتالية وجفاف حولًا مساحات واسعة من الغابات إلى وقود سريع الاشتعال، بينما ساهمت عوامل بشرية في اندلاع عدد من الحرائق، وفي الوقت نفسه، ساهم غياب المساحات الدفاعية حول المنازل في انتقال النيران بسهولة أكبر إلى المناطق السكنية.

وأشار سامر شقير، إلى أن التداعيات الاقتصادية تتجاوز فرنسا، إذ تتراكم في أنحاء أوروبا تكاليف الحرائق والجفاف وموجات الحر، فيما تشير التقديرات الأولية إلى أن الأضرار المباشرة وغير المباشرة في عدة دول أوروبية خلال الصيف تجاوزت عشرات المليارات من اليورو.

وقال شقير: إن هذه التكاليف لا تتحملها الميزانيات العامة وحدها، بل تنتقل بصورة جزئية إلى قطاع التأمين، ثم إلى المستهلكين من خلال ارتفاع أقساط التأمين، كما تنتقل إلى أسواق رأس المال عبر إعادة تسعير المخاطر وزيادة العوائد المطلوبة على الأصول الموجودة في المناطق الأكثر تعرضًا للظواهر المناخية المتطرفة.

التأثير على قطاع التأمين وإعادة التأمين

وأوضح سامر شقير، أن قطاع التأمين وإعادة التأمين سيكون من أكثر القطاعات تأثرًا بتطورات المخاطر المناخية في أوروبا، مشيرًا إلى أن الحريق أدى إلى تفعيل إجراءات استثنائية من جانب شركات التأمين الفرنسية، بما في ذلك تمديد مواعيد الإبلاغ عن المطالبات وتغطية تكاليف الإيواء المؤقت.

وأشار شقير، إلى أن الأثر الأهم على المدى المتوسط يتمثل في الاتجاه التصاعدي لأقساط التأمين وتشديد شروط الاكتتاب في المناطق عالية المخاطر، موضحًا أن أقساط التأمين على المساكن في منطقة نوفيل-أكيتان ارتفعت بأكثر من 20% خلال 2026 مقارنة بمتوسط وطني بلغ نحو 13%.

وأضاف شقير، أن الحرائق في أوروبا لا تدخل دائمًا ضمن نظام الكوارث الطبيعية الحكومي بالطريقة نفسها التي تدخل بها مخاطر مثل الفيضانات، وهو ما يترك عبئًا أكبر على التغطية التجارية العادية، الأمر الذي قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار إعادة التأمين وتسارع إصدار سندات الكوارث المرتبطة بمخاطر الحرائق.

ولفت سامر شقير، إلى أن التأثير المباشر على أرباح شركات التأمين الكبرى في أوروبا مثل AXA وAllianz وZurich قد يظل محدودًا خلال 2026 طالما لم تتركز الخسائر في أصول صناعية أو سكنية كثيفة، وفقًا للتقييمات المتداولة لدى وكالات التصنيف، إلا أن الاتجاه الهيكلي أصبح واضحًا ويتمثل في ارتفاع تكلفة تغطية المخاطر المناخية وضغوط أكبر على هوامش الاكتتاب في المناطق الجنوبية والمناطق القريبة من الغابات.

أسواق العقارات وإعادة تسعير المخاطر

وقال سامر شقير: إن أسواق العقارات في المناطق المتضررة مباشرة من الحرائق أو القريبة من الغابات تواجه معادلة استثمارية جديدة، إذ تجمدت المعاملات العقارية بصورة مؤقتة خلال عمليات الإجلاء، بينما تشير تجارب حرائق عام 2022 في المنطقة نفسها إلى احتمال ظهور خصومات تتراوح بين 5% و15% على قيم العقارات الأكثر تعرضًا للمخاطر.

وأشار سامر شقير، إلى أن التزامات الإفصاح على البائعين بشأن مدى الالتزام بقواعد إزالة النباتات تضيف عاملًا جديدًا إلى عملية تقييم العقارات، خصوصًا في المناطق التي أصبحت فيها مخاطر الحرائق جزءًا أساسيًّا من عملية اتخاذ القرار الاستثماري.

وأضاف شقير، أن المستثمرين العقاريين المؤسسيين يواجهون حاليًا ارتفاعًا في تكلفة التأمين، واحتمالات فرض قيود على أعمال التجديد، والحاجة إلى تخصيص نفقات رأسمالية إضافية لتحسين قدرة الأصول على التكيف مع المخاطر المناخية.

وقال سامر شقير: إن بعض الدراسات بدأت تقدر علاوة مخاطر مناخية إضافية ضمن العائد المطلوب على الأصول العقارية الأوروبية، موضحًا أن إعادة التسعير لن تكون موحدة بين جميع الأصول.

وأوضح سامر شقير، أن إعادة تسعير المخاطر في العقارات الأوروبية المعرضة للحرائق لن تكون موحدة؛ فالأصول التي تستثمر مسبقًا في المرونة والحوكمة الوقائية ستحتفظ بقيمتها النسبية، بينما ستتعرض الأصول ذات الامتثال الضعيف لخصومات أعمق.

اتجاهات تخصيص رأس المال والفرص الاستثمارية

وأكد سامر شقير، أن ارتفاع المخاطر المناخية لا يعني بالضرورة خروج رأس المال من القطاعات أو المناطق المتضررة، وإنما قد يؤدي إلى تحول نوعي في طبيعة الاستثمارات، بحيث تتجه نسبة متزايدة من رأس المال الخاص والمؤسسي إلى الحلول التي تستهدف التكيف والوقاية ورفع قدرة الأصول على الصمود.

وأوضح شقير، أن الفرص الاستثمارية تشمل تقنيات إدارة الغابات والوقود النباتي، وأنظمة الإنذار المبكر التي تعتمد على الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الخاصة بالخطوط الفاصلة عن الحرائق، بالإضافة إلى حلول التأمين المرتبطة بالمعايير والمؤشرات المناخية.

وأشار شقير، إلى أن التوجهات الأوروبية على مستوى السياسات العامة تتجه نحو تعزيز الاستثمار في الوقاية بدلًا من التركيز الحصري على الاستجابة بعد وقوع الكوارث، وهو ما يمكن أن يخلق طلبًا متزايدًا على التمويل طويل الأجل لمشروعات استعادة النظم البيئية وإدارة المخاطر على مستوى المناظر الطبيعية.

وأضاف سامر شقير، أن صناديق الاستثمار المؤسسي والمستثمرين في منطقة الخليج يمكنهم التعامل مع هذه التطورات باعتبارها فرصة لإعادة تقييم تعرض محافظهم للمخاطر المادية على المستوى الجغرافي، وليس فقط على أساس التصنيف القطاعي.

وأوضح شقير، أن أوروبا، مع ارتفاع تكلفة التكيف، قد تصبح أكثر اعتمادًا على رأس المال الخاص لتمويل البنية التحتية الوقائية، في حين ستظل الأسواق التي تبني مرونة مبكرة أمام المخاطر المناخية أكثر قدرة على جذب تدفقات رأس المال طويلة الأجل.

الانعكاسات على الاستثمار الخليجي ورؤية 2030

وفيما يتعلق بالمستثمرين في دول الخليج، قال سامر شقير: إن تجربة حرائق فرنسا تقدم درسًا مهمًا لصناديق الثروة السيادية ومديري الأصول حول ضرورة دمج المخاطر المناخية المادية في تصميم الاستثمارات الجديدة، خصوصًا مع توسع المنطقة في قطاعات السياحة والترفيه والعقارات والزراعة والبنية التحتية.

وأوضح شقير، أن رؤية السعودية 2030 تتضمن استثمارات واسعة في قطاعات السياحة والترفيه والزراعة المستدامة والبنية التحتية، وهو ما يجعل تصميم الأصول على أساس قدرتها على مواجهة المخاطر المناخية عاملًا مهمًا في الحفاظ على قيمة الاستثمارات على المدى الطويل.

وأشار سامر شقير، إلى أن ارتفاع تكاليف التأمين والمخاطر المناخية في أجزاء من أوروبا يمكن أن يدفع بعض رؤوس الأموال المؤسسية إلى البحث عن أصول في مناطق أقل تعرضًا للمخاطر، أو إلى الاستثمار في تقنيات التكيف التي يمكن تصديرها وتوطينها في أسواق أخرى، بما في ذلك منطقة الخليج.

وقال شقير: إن الاستثمار في تقنيات إدارة الحرارة والجفاف والحرائق والإنذار المبكر وإدارة الموارد الطبيعية يمكن أن يتحول من قطاع متخصص إلى مكون أساسي من محافظ الاستثمار طويلة الأجل، مع إمكانية الاستفادة من هذه الحلول في أسواق متعددة تواجه ظروفًا مناخية مختلفة.

المخاطر والسيناريوهات المستقبلية

وأوضح سامر شقير، أن استمرار انخفاض معدلات الامتثال لقواعد الوقاية يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع إضافي في تكلفة التأمين في المناطق عالية المخاطر، وربما يجعل التغطية التأمينية بعيدة عن متناول شرائح واسعة من الملاك، بما يؤدي إلى اتساع فجوة الحماية وزيادة الاعتماد على الدعم الحكومي.

وأضاف شقير، أن هذا السيناريو يمكن أن يفرض ضغوطًا إضافية على المالية العامة، خاصة في الدول التي تواجه بالفعل مستويات مرتفعة من الديون السيادية وتكاليف متزايدة مرتبطة بالتكيف المناخي.

وأشار شقير، إلى أن تصاعد الضغط السياسي والاجتماعي يمكن أن يؤدي إلى تشديد عمليات الإنفاذ وفرض تكاليف أعلى على عدم الامتثال، وهو ما قد يسرع الاستثمار الخاص في الحلول الوقائية ويخلق سوقًا جديدة للشركات المتخصصة في إدارة المخاطر المناخية.

كما أن تطور نماذج أكثر دقة لتسعير المخاطر المناخية، بحسب سامر شقير، سيؤدي تدريجيًّا إلى الفصل بين الأصول القادرة على الصمود والأصول الضعيفة داخل المحافظ الأوروبية، وهو ما سيجعل جودة الحوكمة الوقائية عاملًا مؤثرًا بصورة أكبر في التقييمات المستقبلية.

نظرة استراتيجية

وأكد سامر شقير، أن المرحلة الحالية تتطلب من المستثمرين الانتقال من مفهوم تجنب المخاطر المناخية إلى مفهوم تحويلها إلى فرصة استثمارية، من خلال توجيه رأس المال إلى الأصول والشركات التي تمتلك قدرة مثبتة على التكيف.

وقال شقير: إن المستثمر الذكي لا يهرب من المخاطر المناخية، بل يعيد تخصيص رأس المال نحو الأصول والشركات التي تحول هذه المخاطر إلى ميزة تنافسية من خلال الاستثمار المسبق في المرونة.

وأضاف شقير، أن الفترة الحالية تتيح فرصة لإعادة بناء المحافظ الأوروبية بصورة أكثر تحصينًا، مع إعطاء وزن أكبر للحوكمة الوقائية والتكنولوجيا التكيفية وقدرة الأصول على الحفاظ على التدفقات النقدية في ظل الظروف المناخية المتغيرة.

وأوضح شقير، أن دمج تحليل الامتثال التنظيمي والمخاطر المادية للمناخ أصبح جزءًا أساسيًّا من عمليات العناية الواجبة لدى المؤسسات الاستثمارية، لا سيما في قطاعات التأمين والعقار والبنية التحتية، مشيرا إلى أن تقييم الأصل لم يعد مقتصرًا على موقعه وعوائده المتوقعة، بل أصبح يشمل أيضًا قدرته على تحمل المخاطر المناخية ومدى التزام مالكيه والمشغلين فيه بالمعايير الوقائية.

وأشار سامر شقير، إلى أن الاتجاه العام لتدفقات رأس المال يشير إلى تفضيل متزايد للجهات التي تثبت قدرتها على إدارة المخاطر المناخية بكفاءة، سواء داخل أوروبا أو في الأسواق التي تعمل على بناء أنظمة تكيف أكثر استباقية.

واختتم سامر شقير قائلًا: إن الحريق الفرنسي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد كارثة طبيعية، وإنما باعتباره إشارة سوقية واضحة إلى أن تكلفة التقاعس عن إدارة المخاطر المناخية أصبحت قابلة للقياس والتسعير، وأن عملية تخصيص رأس المال ستخضع بصورة متزايدة لهذا الواقع الجديد.

وأضاف شقير، أن المستثمرين المؤسسيين الذين يدمجون المخاطر المناخية المادية والامتثال التنظيمي وجودة الحوكمة في قراراتهم الاستثمارية منذ المراحل الأولى سيكونون في وضع أفضل للحفاظ على قيمة أصولهم وتحقيق عوائد طويلة الأجل، بينما ستتعرض الأصول التي تتجاهل هذه المتغيرات لضغوط أكبر في التقييم والتأمين وتكلفة رأس المال خلال السنوات المقبلة.