أخبار 24 ساعة

لماذا تجذب روايات ”النخب المالية” المستثمرين في فترات عدم اليقين؟.. سامر شقير يُوضِّح

الخميس 6 أغسطس 2026 01:35 مـ 21 صفر 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن عودة الروايات التي تتحدث عن وجود "نخب مالية خفية" تتحكم في الاقتصاد والسياسة العالمية خلال فترات الاضطراب الاقتصادي لا ينبغي النظر إليها باعتبارها تفسيرًا موضوعيًّا لما يحدث في الأسواق، بل باعتبارها انعكاسًا لتراجع الثقة بالمؤسسات واتساع الفجوة بين تعقيد النظام المالي العالمي وإدراك المستثمرين له.

وأوضح شقير، أن انتشار مثل هذه السرديات يتزامن عادة مع ارتفاع معدلات التضخم، وتزايد مستويات الدين العام، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، مشيرًا إلى أن الأسواق لا تتحرك بالحقائق الاقتصادية وحدها، وإنما تتأثر أيضًا بالتصورات النفسية ومستويات الثقة المؤسسية.

وأكد شقير، أن قراءة هذه الظاهرة يجب أن تركز على الأسباب الاقتصادية التي تدفع إلى انتشارها، لا على محاولة إثباتها أو نفيها، لأن المستثمر المؤسسي يبني قراراته على البيانات والحوكمة وجودة المؤسسات، وليس على الروايات غير المدعومة بالأدلة.

بيئة اقتصادية معقدة تغذي البحث عن تفسيرات مبسطة

وأشار سامر شقير، إلى أن عودة هذا الخطاب جاءت في وقت يمر فيه الاقتصاد العالمي بإحدى أكثر مراحله تعقيدًا منذ الأزمة المالية العالمية، مع استمرار ارتفاع الدين السيادي، وتشديد السياسات النقدية في عدد من الاقتصادات الكبرى، إلى جانب تنامي الاستقطاب السياسي والجيوسياسي.

وأضاف شقير، أن هذه البيئات تدفع كثيرين إلى البحث عن تفسير بسيط لأحداث معقدة، وهو ما يفسر عودة الروايات التي تربط بعض العائلات المصرفية التاريخية أو المؤسسات المالية بإدارة الاقتصاد العالمي أو التحكم في الحروب والبنوك المركزية، رغم أن معظم هذه الادعاءات لا تستند إلى أدلة تاريخية أو أكاديمية موثقة، بينما تؤكد الوقائع أن النظام المالي الحديث أكثر تعقيدًا وتعددًا في مراكز اتخاذ القرار.

الاقتصاد العالمي لم يعد يُدار من جهة واحدة

وأوضح سامر شقير، أن النظام المالي الدولي شهد خلال القرنين الماضيين تحولات جذرية، بدءًا من المصارف العائلية الأوروبية، ثم ظهور البنوك المركزية الحديثة، وصولًا إلى توسع الأسواق المالية وصناديق الاستثمار والمؤسسات متعددة الأطراف.

وأشار شقير، إلى أن القوة الاقتصادية اليوم موزعة بين البنوك المركزية، وصناديق الثروة السيادية، ومديري الأصول العالميين، وشركات التأمين، وأسواق السندات والأسهم، إضافة إلى الحكومات والهيئات التنظيمية، وهو ما يجعل فكرة سيطرة جهة واحدة على الاقتصاد العالمي بعيدة عن واقع النظام المالي المعاصر.

وأضاف شقير، أن بعض العائلات المصرفية لعبت بالفعل أدوارًا تاريخية مهمة في تمويل الحكومات خلال القرن التاسع عشر، إلا أن تصويرها باعتبارها المتحكم الوحيد في الاقتصاد العالمي أو في جميع البنوك المركزية والحروب لا تدعمه الأدلة الاقتصادية أو التاريخية الحديثة.

إدارة الدين أهم من الجدل حول من يملكه

وأكد سامر شقير، أن السبب الحقيقي وراء عودة هذه السرديات يرتبط بالارتفاع الكبير في مستويات الدين العالمي، موضحًا أن الحكومات والشركات والأسر أصبحت تعتمد بدرجات متفاوتة على الاقتراض، فيما تحولت أسواق السندات إلى العمود الفقري للنظام المالي العالمي.

وأضاف شقير، أن تكلفة الاقتراض أصبحت ترتبط بقرارات البنوك المركزية، وتوقعات التضخم، وثقة المستثمرين، وتقييمات المخاطر، وليس بإرادة مؤسسة أو جهة بعينها.

وأشار شقير، إلى أن المستثمرين ينبغي أن يركزوا على كيفية إدارة الديون وأسعار الفائدة أكثر من التركيز على هوية الجهات المالكة لها، لأن هذه العوامل أصبحت الأكثر تأثيرًا في تقييم الأصول وتخصيص رؤوس الأموال خلال المرحلة الحالية.

لماذا تنتشر هذه السرديات في أوقات الأزمات؟

وقال سامر شقير: إن التاريخ يظهر أن نظريات المؤامرة الاقتصادية تنتشر بصورة أكبر خلال فترات عدم اليقين، عندما ترتفع التقلبات وتتراجع القدرة على التنبؤ وتتسع الفجوة بين الاقتصاد الحقيقي والأسواق المالية.

وأوضح شقير، أن الاقتصاد السلوكي يفسر هذه الظاهرة بأن الأفراد يميلون إلى تبني الروايات التي تقدم تفسيرًا بسيطًا للأزمات المعقدة، حتى وإن كانت الأدلة التي تستند إليها محدودة.

وأضاف شقير، أن تأثير هذه السرديات لا يقتصر على الرأي العام، بل قد يمتد إلى سلوك المستثمرين من خلال زيادة النفور من المخاطر أو دفع بعضهم إلى قرارات استثمارية مبنية على العاطفة بدلًا من التحليل الأساسي.

الثقة المؤسسية أصبحت أصلًا اقتصاديًّا

وأشار سامر شقير، إلى أن هذه الظاهرة تعكس تحديًا أكبر يتمثل في تراجع الثقة بالمؤسسات المالية والتنظيمية.

وأوضح شقير، أن الثقة في البنوك المركزية، والأنظمة المالية، والرقابة التنظيمية، وأطر الحوكمة أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في تكلفة التمويل، وتدفقات الاستثمار، واستقرار الأسواق، مؤكدًا أن المستثمر المؤسسي لا يبني قراراته على الروايات المتداولة، وإنما يعتمد على جودة المؤسسات، وشفافية البيانات، واستقلالية السياسات النقدية، وكفاءة الأطر التنظيمية، باعتبارها المحدد الحقيقي للقيمة طويلة الأجل للأصول.

تحديات جديدة أمام المستثمرين المؤسسيين

وأضاف سامر شقير، أن الانتشار الواسع للمعلومات غير الموثقة عبر المنصات الرقمية فرض تحديات إضافية أمام صناديق الاستثمار ومديري الأصول في إدارة المخاطر.

وأشار شقير، إلى أن الأسواق أصبحت أكثر حساسية للمحتوى المتداول، الأمر الذي يزيد من أهمية التحقق من المصادر، وتعزيز التواصل المؤسسي، وإدارة السمعة، خاصة في القطاع المالي، مؤكدًا أن الشركات المدرجة مطالبة اليوم بدرجة أعلى من الإفصاح والحوكمة للحفاظ على ثقة المستثمرين في بيئة تنتشر فيها المعلومات بسرعة، سواء كانت دقيقة أو مضللة.

انعكاسات على السعودية والخليج

وأوضح سامر شقير، أن هذه التطورات تتقاطع مع جهود دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، لتعزيز الشفافية وجذب الاستثمار الأجنبي ضمن مستهدفات رؤية 2030.

وأضاف شقير، أن قدرة الأسواق الخليجية على استقطاب رؤوس الأموال طويلة الأجل تعتمد بصورة متزايدة على قوة البيئة التنظيمية، واستقرار السياسات الاقتصادية، ووضوح قواعد الحوكمة، وهي عوامل أصبحت أكثر أهمية في ظل التأثير المتزايد للمعلومات المتداولة عبر المنصات الرقمية، مشيرًا إلى أن توسع الاستثمار المؤسسي ونمو أسواق الدين المحلية وتطور أسواق المال الخليجية يجعل بناء الثقة المؤسسية أحد أهم عناصر التنافسية الإقليمية.

النظرة الاستثمارية

واختتم سامر شقير بالتأكيد على أن المستثمر الناجح يميز دائمًا بين السرديات المتداولة والتحليل الاقتصادي القائم على البيانات.

وأوضح شقير، أن الأسواق قد تتفاعل مؤقتًا مع القصص المثيرة، إلا أن تخصيص رأس المال على المدى الطويل يظل قائمًا على الإنتاجية، والابتكار، والربحية، والسياسات الاقتصادية، وليس على الروايات غير المدعومة بالأدلة.

وأضاف شقير، أن التحولات الكبرى في الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة ستقودها التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، والتحول في قطاع الطاقة، بينما ستظل المؤسسات القوية، والشفافية، والاستقرار، العناصر الأكثر تأثيرًا في خلق القيمة للمستثمرين على المدى الطويل.