الدعم النقدي في مصر يقترب.. الحكومة تكشف آخر تطورات المنظومة الجديدة وخبراء يحذرون من تحديات التنفيذ
الحكومة تكشف آخر مستجدات التحول إلى الدعم النقدي في مصر، وخبراء يوضحون شروط الاستحقاق وآليات الاستبعاد وتأثير التضخم على قيمة الدعم ومستقبل بطاقات التموين.
عاد ملف التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي ليتصدر المشهد الاقتصادي في مصر، بعدما أعلنت الحكومة الانتهاء من إعداد التصور العام للمنظومة الجديدة، ورفعه إلى رئيس الجمهورية، تمهيدًا لاستكمال الدراسات الفنية والمالية والاجتماعية قبل اتخاذ قرار التطبيق.
وأكدت الحكومة أن الانتقال إلى النظام الجديد لن يتم بشكل متسرع، وإنما بعد الانتهاء من جميع الدراسات وإجراء حوار مجتمعي واسع يضمن الوصول إلى آلية تحقق العدالة الاجتماعية وتحافظ على حقوق المواطنين.
الحكومة: لا موعد نهائي للتطبيق قبل اكتمال الدراسات
قال وزير التموين والتجارة الداخلية الدكتور شريف فاروق إن الوزارة انتهت بالفعل من إعداد التصور العام لمنظومة الدعم النقدي، وتم عرضه على الرئيس عبد الفتاح السيسي، مؤكدًا أن الملف لا يزال يخضع لمراجعات فنية واقتصادية واجتماعية دقيقة.
وأوضح أن القيادة السياسية تتابع الملف بصورة مستمرة، باعتباره أحد أهم ملفات الحماية الاجتماعية، مشيرًا إلى أن التطبيق لن يبدأ قبل استكمال الدراسات وإجراء حوار مجتمعي يشارك فيه مختلف الأطراف لضمان نجاح المنظومة الجديدة.
وأضاف الوزير أن الدولة تعمل بالتوازي على تعزيز منظومة الأمن الغذائي، من خلال التوسع في مشروعات المخابز الاستراتيجية لزيادة إنتاج الخبز وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين.
خبراء: قيمة الدعم ليست الأزمة الحقيقية
ترى الدكتورة شيرين الشواربي، أستاذ الاقتصاد ومساعد وزير المالية السابق، أن النقاش الدائر حول قيمة الدعم النقدي المقترحة، سواء بلغت 300 أو 400 جنيه، لا يمثل القضية الأساسية.
وأوضحت أن نجاح المنظومة يبدأ بتحديد الهدف منها، ثم اختيار الفئات التي تستحق الدعم وفقًا لهذا الهدف، مؤكدة أن معايير الاستحقاق يجب أن تكون أكثر دقة وعدالة حتى تصل المساعدات إلى المستحقين الحقيقيين.
وأشارت إلى أن تجربة برنامج "تكافل وكرامة" اعتمدت على استهداف الفئات الأكثر احتياجًا، بينما يظل السؤال المطروح بشأن منظومة التموين الجديدة: هل ستقتصر على الفئات الفقيرة فقط أم ستشمل أيضًا شرائح من الطبقة المتوسطة؟
معايير الاستبعاد تثير الجدل
وأبدت الشواربي تحفظها على الاعتماد على معيار واحد مثل تجاوز دخل الأسرة 24 ألف جنيه شهريًا، موضحة أن الأسرة قد تضم أكثر من مصدر دخل، كما أن تقييم المستوى المعيشي لا يمكن أن يعتمد على دخل فرد واحد فقط.
وأضافت أن قواعد البيانات الحالية تعتمد أحيانًا على مؤشرات مثل امتلاك سيارة أو التحاق الأبناء بمدارس معينة، وهي مؤشرات قد لا تعكس الوضع الاقتصادي الحقيقي للأسرة.
وأكدت أن تقييم الاستحقاق يجب أن يعتمد على مجموعة متكاملة من المؤشرات، وليس على شرط منفرد قد يؤدي إلى استبعاد أسر لا تزال بحاجة للدعم.
850 ألف مستبعد.. هل الرقم يشير إلى أفراد أم بطاقات؟
أثارت أرقام المستبعدين من منظومة الدعم، والتي تقدر بنحو 850 ألفًا، تساؤلات عديدة، خاصة مع عدم توضيح ما إذا كان الرقم يشير إلى أفراد أم بطاقات تموينية.
وترى الشواربي أن هذا الفارق جوهري، لأن البطاقة الواحدة قد تضم أكثر من مستفيد، ما يجعل عدد المواطنين المتأثرين بالقرار أكبر بكثير.
كما أوضحت أن امتلاك سيارة حديثة لا يعني بالضرورة أن الأسرة تتمتع بمستوى معيشي مرتفع، خاصة مع ارتفاع أسعار السيارات واعتماد الكثير من الأسر عليها كمصدر دخل في أنشطة مثل النقل الذكي.
التضخم.. التحدي الأكبر أمام نجاح الدعم النقدي
وحذرت الشواربي من أن تثبيت قيمة الدعم النقدي لفترات طويلة سيؤدي إلى تراجع قوته الشرائية بفعل التضخم، وهو ما حدث في تجارب سابقة عندما ظلت قيمة الدعم ثابتة رغم ارتفاع أسعار السلع.
وأكدت أن التحدي الحقيقي أمام الحكومة يتمثل في وضع آلية تسمح بتحديث قيمة الدعم بصورة دورية، بما يحافظ على قدرته على تغطية الاحتياجات الأساسية للمواطنين.
عالية المهدي: استقرار الأسعار هو كلمة السر
من جانبها، أكدت الدكتورة عالية المهدي، عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية الأسبق بجامعة القاهرة، أن نجاح منظومة الدعم النقدي يرتبط ارتباطًا مباشرًا باستقرار الأسعار.
وأوضحت أن منح الأسرة دعمًا نقديًا ثابتًا قد يكون مناسبًا في ظل استقرار الأسواق، لكنه يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته إذا استمرت موجات التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية.
وأضافت أن الدعم العيني يتمتع بميزة مهمة، تتمثل في ضمان حصول المواطنين على احتياجاتهم الأساسية بالكميات المقررة، بغض النظر عن تقلبات الأسعار.
هل حد الـ24 ألف جنيه مناسب؟
ورأت المهدي أن المقترح الخاص باستبعاد الأسر التي يتجاوز دخلها الشهري 24 ألف جنيه يعد منطقيًا، باعتباره يستند إلى مضاعفات الحد الأدنى للأجور، ويمكن أن يساعد في توجيه الدعم للفئات الأكثر احتياجًا.
وأشارت إلى أن تحديد الدخول سيكون أسهل بالنسبة للعاملين في القطاعين الحكومي والخاص الرسمي، بينما سيظل تقييم العاملين في القطاع غير الرسمي أحد أكبر التحديات أمام الحكومة.
مستقبل منظومة الدعم في مصر
يرى خبراء الاقتصاد أن نجاح التحول إلى الدعم النقدي لن يعتمد فقط على قيمة المبالغ المخصصة للمواطنين، وإنما على عدة عوامل رئيسية، أبرزها:
- دقة تحديد المستحقين.
- تحديث قواعد البيانات باستمرار.
- حماية قيمة الدعم من تأثير التضخم.
- توفير رقابة فعالة على الأسواق.
- مراجعة قيمة الدعم بصورة دورية بما يتناسب مع ارتفاع الأسعار.
وفي ظل استمرار الحكومة في دراسة جميع الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، يبقى ملف الدعم النقدي أحد أهم الملفات التي تنتظر حسمًا خلال الفترة المقبلة، وسط ترقب ملايين المواطنين لآليات التطبيق وشروط الاستحقاق، ومدى قدرة المنظومة الجديدة على تحقيق التوازن بين كفاءة الإنفاق الحكومي وحماية الفئات الأكثر احتياجًا.
