سامر شقير: مرونة المالية السعودية تعيد تشكيل قرارات المستثمرين رغم ضغوط الحرب
قال رائد الاستثمار سامر شقير: إن الاقتصاد السعودي يمر بمرحلة استثنائية تكشف قدرة المالية العامة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية، رغم الضغوط التي فرضها تراجع الأنشطة النفطية خلال الربع الثاني من عام 2026.
وأوضح شقير، أن انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.8% جاء نتيجة انخفاض الأنشطة النفطية بنسبة 24.7%، إلا أن تسجيل الميزانية السعودية إيرادات نفطية بلغت 185.1 مليار ريال، بارتفاع سنوي قدره 22%، إلى جانب تحقيق إيرادات غير نفطية قياسية بلغت 153.7 مليار ريال تمثل 45% من إجمالي الإيرادات، أسهم في خفض العجز إلى 34.3 مليار ريال، وهو أدنى مستوى يسجل خلال سبعة فصول.
وأضاف شقير، أن توقعات مؤسسة "بي إم آي" التابعة لـ"فيتش سوليوشنز" بانكماش الاقتصاد السعودي بنسبة 0.6% خلال عام 2026، قبل أن يقفز النمو إلى 7.6% في عام 2027، تعكس مرحلة انتقالية تعيد فيها المملكة توجيه رأس المال نحو القطاعات القادرة على تحقيق نمو مستدام بعيدًا عن التقلبات الدورية لأسواق النفط.
الحرب الإقليمية أعادت تشكيل المشهد الاقتصادي
وأوضح سامر شقير، أن استمرار تعطل الملاحة في مضيق هرمز عقب انهيار الاتفاق المبدئي بين الولايات المتحدة وإيران فرض واقعًا اقتصاديًّا جديدًا على أكبر اقتصاد عربي، وأثر بصورة مباشرة في حركة التجارة وسلاسل الإمداد.
وأشار شقير، إلى أن التقديرات السريعة الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء أظهرت نمو القطاع غير النفطي بنسبة 0.6% فقط خلال الربع الثاني من عام 2026، بينما خفضت "بي إم آي" توقعاتها لنمو الأنشطة غير النفطية إلى نحو 1% خلال العام الجاري مقارنة بتوقعاتها السابقة البالغة 2%، بعدما تبين أن الصادرات غير النفطية تعرضت لضغوط أكبر من المتوقع.
وأضاف شقير، أن ارتفاع أسعار النفط عوض جانبًا من انخفاض أحجام الإنتاج، الأمر الذي دفع الإيرادات النفطية إلى تسجيل أحد أعلى مستوياتها الفصلية منذ عام 2017، وهو ما وفر دعمًا مهمًا للمالية العامة رغم الانكماش الاقتصادي.
الإيرادات غير النفطية أثبتت نجاح استراتيجية التنويع
وأكد سامر شقير، أن نمو الإيرادات الحكومية الإجمالية بنسبة 12% على أساس سنوي، لتصل إلى 338.8 مليار ريال خلال الربع الثاني، ساعد بصورة مباشرة في تقليص العجز مقارنة بالربع الأول الذي سجل مستويات أعلى.
وأوضح شقير، أن الإيرادات غير النفطية أصبحت تمثل أحد أهم أعمدة الاستقرار المالي، بعدما بلغت 153.7 مليار ريال وشكلت 45% من إجمالي الإيرادات، مدفوعة بارتفاع الحصيلة الضريبية، وهو ما يعكس استمرار تقدم برامج تنويع مصادر الدخل ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030.
وأضاف شقير، أن محللي "بي إم آي" توقعوا ارتفاع إنتاج النفط بنسبة 24.4% خلال عام 2027 مع عودة الملاحة في مضيق هرمز إلى طبيعتها، بما يدفع النمو الاقتصادي إلى 7.6%، ويرفع نمو القطاع غير النفطي إلى ما يقارب 5%.
وأشار شقير، إلى أن هذه التقديرات تختلف عن توقعات صندوق النقد الدولي، التي رجحت نمو الاقتصاد السعودي بنسبة 1.7% في عام 2026 و5.5% في عام 2027، وهو ما يعكس استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بمدة الصراع وتداعياته.
الإنفاق الاستثماري حافظ على قوة الاقتصاد المحلي
وقال سامر شقير: إن المملكة ظلت من بين الاقتصادات الخليجية القليلة المتوقع أن تحقق نموًا إيجابيًّا في القطاع غير النفطي خلال العام الجاري، مستفيدة من استمرار الإنفاق الاستثماري الحكومي وقوة الطلب المحلي.
وأضاف شقير، أن الاعتماد على خط أنابيب الشرق-الغرب ومواني البحر الأحمر أسهم في الحد من تراجع الصادرات النفطية، بما حافظ على تدفق الإيرادات رغم انخفاض الإنتاج.
تخصيص رأس المال أصبح أكثر انتقائية
وأوضح سامر شقير، أن اجتماع الانكماش الاقتصادي مع تحقيق إيرادات قياسية يعكس انفصالًا واضحًا بين الأداء الدوري للاقتصاد ومسار النمو الهيكلي طويل الأجل.
وأضاف شقير، أن ارتفاع مساهمة الإيرادات غير النفطية إلى 45% منح المالية العامة مساحة أكبر للتعامل مع تقلبات أسواق الطاقة، بما يضمن استمرار الإنفاق الرأسمالي على المشروعات الاستراتيجية.
وأشار شقير، إلى أن المستثمرين المؤسسيين أصبحوا مطالبين بالفصل بصورة أكثر دقة بين الأصول المرتبطة بالدورة النفطية قصيرة الأجل، وبين القطاعات التي تعتمد على الطلب المحلي والتنويع الاقتصادي، موضحًا أن قطاعات البنية التحتية والخدمات اللوجستية والأنشطة المرتبطة برؤية 2030 تبدو الأكثر استفادة من استقرار الإنفاق الحكومي.
المحافظ الاستثمارية تتجه نحو الدفاعية مع الاحتفاظ بفرص النمو
وأوضح سامر شقير، أن استمرار الضبابية الجيوسياسية دفع صناديق الثروة السيادية ومديري الأصول إلى زيادة الأوزان النسبية للاستثمارات الدفاعية داخل المحافظ السعودية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تعرض انتقائي للقطاعات المرتبطة بالنمو طويل الأجل، وفي مقدمتها الاقتصاد الرقمي والتصنيع.
وأضاف شقير، أن التعافي المتوقع خلال عام 2027، في حال استقرت الملاحة البحرية، قد يعيد تسريع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو المشروعات المرتبطة بصندوق الاستثمارات العامة، بشرط استمرار مرونة الإيرادات غير النفطية.
فرص واعدة يقابلها استمرار المخاطر
وأشار سامر شقير، إلى أن الإيرادات القياسية، إلى جانب التوقعات بقفزة النمو خلال عام 2027، توفر فرصة مهمة للمستثمرين أصحاب الرؤى طويلة الأجل، ولا سيما في الشركات المدرجة المستفيدة من ارتفاع الإنتاج النفطي وتعافي الصادرات غير النفطية.
وأوضح شقير، أن القطاعين العقاري والتجزئة قد يواجهان ضغوطًا إضافية إذا استمر ضعف الطلب الخارجي، بينما قد يستفيد القطاع المصرفي من استقرار الودائع الحكومية واستمرار الإنفاق العام.
وأضاف شقير، أن أكبر المخاطر ما تزال تتمثل في احتمالات تصعيد الصراع أو تأخر استعادة الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما قد يؤدي إلى نمو اقتصادي أقل من تقديرات "بي إم آي" ويزيد الضغوط على العجز المالي.
وأكد شقير، أن أسواق الدخل الثابت تستفيد حاليًا من قوة الإيرادات الحكومية واستقرار مستويات العجز على المدى القريب، رغم توقعات اتساعه في عام 2027 إذا تراجعت أسعار النفط، بينما تظل تقييمات سوق الأسهم مرتبطة بتطورات الإنتاج النفطي وسرعة تنفيذ المشروعات الكبرى.
رؤية استراتيجية لتخصيص رأس المال
واختتم سامر شقير حديثه مؤكدًا أن المرحلة الحالية تمثل فرصة لإعادة هيكلة المحافظ الاستثمارية باتجاه الأصول السعودية التي تجمع بين المرونة المالية قصيرة الأجل وآفاق النمو الهيكلي طويلة المدى.
وأضاف شقير، أن المستثمرين الذين يركزون على الشركات ذات الحوكمة القوية والتنويع التشغيلي سيكونون الأكثر قدرة على الاستفادة من النمو المتوقع في عام 2027، شريطة استمرار السياسات المالية الداعمة.
وأشار شقير، إلى أن الاقتصاد السعودي يخوض اختبارًا حقيقيًّا في قدرته على فصل الأداء الدوري الناتج عن تقلبات أسواق النفط عن المسار الاستراتيجي لرؤية المملكة 2030، مؤكدًا أن نجاح هذا التحول، مدعومًا بالإيرادات غير النفطية القياسية، سيحدد حجم التدفقات الرأسمالية المؤسسية خلال السنوات المقبلة.
واختتم سامر شقير بالتأكيد على أن السيناريو الأساسي يبقى مرتبطًا بسرعة استعادة الملاحة الطبيعية في مضيق هرمز وسلاسل الإمداد العالمية، موضحًا أنه إذا تحقق ذلك تدريجيًّا بحلول نهاية عام 2026، فإن النمو القوي المتوقع في عام 2027 سيعزز مكانة السوق السعودية باعتبارها إحدى أهم وجهات الاستثمار المؤسسي في المنطقة، مع تصاعد أهمية القطاعات غير النفطية باعتبارها المحرك الرئيسي للقيمة المستدامة على المدى الطويل.
