سامر شقير: الاستثمار الحقيقي هو الذي يبني قيمة تستمر بعد انتهاء الدورة أو رحيل القائد
أكد رائد الاستثمار سامر شقير أن ضغوط المساءلة التي تواجه القيادات في البيئات عالية الأداء بعد الإخفاق في تحقيق النتائج المتوقعة تمثل درسا مهما للمستثمرين وصناع القرار في كيفية إدارة الاستثمارات الاستراتيجية وتخصيص رأس المال، مشيرا إلى أن بناء المؤسسات المستدامة يجب أن يتقدم على تحقيق النتائج قصيرة الأجل، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة العربية السعودية ودول الخليج ضمن مستهدفات رؤية 2030.
وأوضح سامر شقير أن المشهد الذي يشهده الوسط الرياضي عند تعرض مدرب منتخب وطني بارز لانتقادات واسعة عقب الخروج المبكر من بطولة كأس العالم يعكس بصورة مباشرة الآليات نفسها التي تحكم تقييم أداء مديري الصناديق السيادية والمستثمرين المؤسسيين عند توظيف رؤوس أموال ضخمة في مشاريع استراتيجية، حيث تصبح المساءلة مرتبطة ليس فقط بالنتائج النهائية، وإنما أيضا بقدرة القيادة على بناء منظومات مستدامة تحقق قيمة طويلة الأجل.
وأشار سامر شقير إلى أن الاقتصادات الحديثة تشهد تسارعا في تدفقات رأس المال نحو المشاريع التحولية، وهو ما يجعل قياس التقدم الحقيقي أكثر أهمية من الاكتفاء بالحكم على النتائج الفورية، موضحا أن تعيين قيادات ذات خبرات عالمية وتكاليف مرتفعة بهدف تحقيق قفزات نوعية يرفع سقف التوقعات، وعندما لا تتحقق النتائج المنتظرة يتحول النقاش مباشرة إلى تقييم كفاءة الاستثمار ذاته.
وأضاف سامر شقير أن هذا النموذج لا يقتصر على الرياضة، بل يتكرر في الأسواق المالية والشركات الكبرى، ويقدم إطارا واضحا لتحليل الفرص الاستثمارية في الخليج، حيث تحتاج المشاريع الضخمة إلى قيادات قادرة على بناء مؤسسات قوية ومستدامة بدلا من التركيز على تحقيق إنجازات مؤقتة.
وأكد سامر شقير أن الاقتصاد الرياضي العالمي يشهد تحولا هيكليا متسارعا، بعدما أصبحت حقوق البث والرعاية التجارية وتطوير البنية التحتية الرياضية أصولا استثمارية تستقطب اهتمام صناديق الثروة السيادية وشركات الاستثمار الخاصة، مشيرا إلى أن الضغوط التي تواجه القيادات بعد النتائج المخيبة تعكس تغيرا في توقعات المستثمرين وأصحاب المصلحة، إذ لم يعد استقطاب الكفاءات وحده كافيا، بل أصبح المطلوب إثبات القدرة على بناء قدرات مؤسسية مستدامة.
وأوضح سامر شقير أن مؤشرات الأداء غير المالية أصبحت تحتل أهمية متزايدة في تقييم نجاح الاستثمارات، بما يشمل تطوير الكفاءات الوطنية، وتحسين جودة الحوكمة، ونقل المعرفة، إلى جانب النتائج الرياضية أو المالية المباشرة.
وقال سامر شقير: "في الاستثمارات الاستراتيجية، لا يكفي استقطاب الكفاءات العالمية؛ يجب أن يترافق ذلك مع بناء منظومة مؤسسية قادرة على الاستمرار بعد رحيل أي قائد فردي، وإلا تحول الاستثمار إلى تكلفة متكررة دون عوائد مستدامة."
وأشار إلى أن قطاع الرياضة والترفيه يمثل أحد أكثر القطاعات الواعدة للاستثمار في المملكة العربية السعودية والمنطقة، حيث تشمل الفرص تطوير البنية التحتية الرياضية، والسياحة الرياضية، وحقوق البث الرقمي، والتقنيات الرياضية الحديثة، إلا أن القطاعات التي تعتمد على بناء القدرات المحلية، مثل أكاديميات التدريب وتحليل البيانات الرياضية، تمتلك قدرة أكبر على مواجهة تقلبات الأداء مقارنة بالقطاعات التي تعتمد بصورة أساسية على استقطاب المواهب الخارجية بشكل سريع.
وأضاف أن تخصيص رأس المال في المشاريع التحولية يتطلب وضع إطار واضح لقياس العائد على الاستثمار يتجاوز المؤشرات التقليدية، خاصة عندما تكون التكاليف مرتفعة والتوقعات كبيرة، الأمر الذي يستوجب تحديد مؤشرات مرحلية تقيس بناء القدرات المؤسسية وليس النتائج النهائية فقط.
وقال سامر شقير: "الاستثمار المؤسسي الناجح يقاس بقدرته على خلق قيمة تتجاوز دورة واحدة أو قائدا واحدا. على صناديق الاستثمار أن تطلب من الإدارات خططا واضحة لبناء الكفاءات المحلية ونقل المعرفة، لا مجرد تحقيق أرقام فورية قد لا تستمر."
وأوضح أن المنافسة العالمية على استقطاب المواهب وتنظيم الأحداث الرياضية الكبرى دفعت العديد من الدول والصناديق الاستثمارية إلى تسريع استثماراتها، إلا أن الضغوط لتحقيق نتائج فورية قد تدفع بعض الجهات إلى تبني استراتيجيات قصيرة الأجل تفتقر إلى الاستدامة، في حين تثبت التجارب الدولية أن الاستثمار في البنية المؤسسية والتطوير المحلي يحقق مزايا تنافسية أكثر استقرارا على المدى الطويل، خاصة في الاقتصادات الناشئة التي تسعى للتحول من مستوردة للخبرات إلى مصدرة لها.
وأكد سامر شقير أن العوامل الاقتصادية الكلية تظل مؤثرة في جدوى الاستثمارات الكبيرة، موضحا أن ارتفاع أسعار الفائدة يزيد تكلفة تمويل مشاريع البنية التحتية الرياضية والترفيهية، بينما يؤدي التضخم إلى رفع تكاليف التشغيل والاستقطاب الدولي، كما تؤثر تقلبات أسعار الصرف بصورة مباشرة على عقود المدربين واللاعبين الأجانب.
وأضاف أن الاستثمارات الناجحة في القطاع الرياضي تمتلك قدرة كبيرة على تحفيز قطاعات اقتصادية أخرى، مثل الضيافة، والتجزئة، والخدمات الرقمية، وهو ما يعزز الأثر الاقتصادي المتعدد ويزيد من مساهمة هذه الاستثمارات في تحقيق التنويع الاقتصادي.
وأشار سامر شقير إلى أن المملكة العربية السعودية ودول الخليج تواصل تسريع استثماراتها الاستراتيجية في القطاع الرياضي باعتباره أحد المحركات الأساسية لرؤية 2030، من خلال دعم التنويع الاقتصادي، وجذب السياحة، واستحداث فرص عمل نوعية، مؤكدا أن نجاح هذه الاستثمارات يتطلب تطبيق أعلى معايير الحوكمة لضمان أن يحقق رأس المال المخصص أثرا طويل الأجل في بناء المنظومة الرياضية، وليس مجرد مكاسب إعلامية مؤقتة.
وقال سامر شقير: "الفرص الاستثمارية في الخليج اليوم تتطلب من رواد الاستثمار رؤية تتجاوز الدورات الرياضية أو الإعلامية، وتركز على بناء اقتصاد رياضي متكامل يخدم الأهداف الوطنية طويلة الأمد ويحقق عوائد مالية واجتماعية في آن واحد."
وأوضح أن أبرز المخاطر التي تواجه المستثمرين تتمثل في الاعتماد المفرط على القيادات الفردية دون بناء مؤسسات قوية، وهو ما قد يؤدي إلى تقلبات في الأداء، وتراجع السمعة، وانخفاض ثقة أصحاب المصلحة، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بسرعة انتشار ردود الفعل السلبية في البيئات التي تتسم بمستويات عالية من الشفافية.
وفي المقابل، أكد سامر شقير أن الفرص الاستثمارية الأكثر جاذبية تتمثل في الاستثمار في التقنيات الرياضية، وتطوير الأكاديميات الوطنية، وإقامة الشراكات التي تربط الرياضة بالسياحة والاقتصاد الرقمي، باعتبارها استثمارات تجمع بين تحقيق العوائد المالية وإحداث أثر تنموي مستدام.
وأشار إلى أن المستثمرين المؤسسيين وصناديق الثروة السيادية ومكاتب العائلات يتجهون بصورة متزايدة نحو نماذج استثمارية أكثر نضجا، تعتمد على قيادات مدعومة بهياكل حوكمة قوية وخطط واضحة لبناء القدرات المحلية، مؤكدا أن هذا التوجه يعزز قدرة القطاع الرياضي الخليجي على أداء دور محوري في التنويع الاقتصادي مع الاستفادة من أفضل الممارسات العالمية في إدارة التوقعات وتخصيص رأس المال.
واختتم سامر شقير تصريحاته قائلا: "في اتجاهات اقتصادية 2026 وما بعدها، سيكون الفائزون هم من يستثمرون في منظومات قادرة على الصمود أمام الضغوط، لا في حلول فردية مهما بلغت تكلفتها. الاستثمار الحقيقي هو الذي يبني قيمة تستمر بعد انتهاء الدورة أو رحيل القائد."
وأكد أن هذا النهج يمثل الأساس لبناء استثمارات استراتيجية قادرة على تحقيق قيمة اقتصادية وتنموية مستدامة، ويعزز من قدرة المملكة العربية السعودية ودول الخليج على ترسيخ مكانتها كمراكز عالمية للاستثمار في القطاعات الجديدة، عبر الجمع بين الرؤية الاستراتيجية والانضباط المؤسسي والحوكمة الفعالة.
