وداعاً ”حكيم الفن المصري”.. رحيل الفنان القدير عبد الرحمن أبو زهرة بعد مسيرة من الإبداع والقيم
فقدت الساحة الفنية العربية اليوم قامة فنية نادرة وعموداً من أعمدة زمن الفن الجميل، برحيل الفنان القدير عبد الرحمن أبو زهرة، الذي وافته المنية بعد رحلة عطاء استمرت لأكثر من ستة عقود، تاركاً خلفه إرثاً سينمائياً ومسرحياً وإذاعياً سيظل محفوراً في وجدان الأجيال.
نعي بكلمات الفخر.. "مات من علمني الحق"
بكلمات تعتصر ألماً وتفيض فخراً، أعلن ابنه أحمد أبو زهرة خبر الوفاة، واصفاً والده بـ"المناضل من أجل القيمة والأخلاق".
وأكد في رثائه أن والده لم يكن مجرد فنان، بل كان معلماً غرس في أبنائه أن الدين هو "المعاملة"، وأن كلمة الحق لا تهاون فيها، ليرحل تاركاً خلفه سيرة عطرة تُعلي من شأن الشرف والأمانة.
من المسرح القومي إلى قلوب الملايين
ولد الراحل في مارس 1934، وصقل موهبته بالدراسة في المعهد العالي للفنون المسرحية (دفعة 1958)، ليبدأ مشواره من خشبة المسرح القومي عام 1959.
تميز أبو زهرة بقدرة فائقة على التلون؛ فكان الرجل الصارم، والحكيم، والشرير، والكوميدي، ببراعة جعلته قاسماً مشتركاً في أهم كلاسيكيات الفن المصري.
أيقونات لا تُنسى: "إبراهيم سردينة" و"سكار"
تظل شخصية "المعلم إبراهيم سردينة" في مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي" هي الأيقونة الأبرز في تاريخه التلفزيوني؛ حيث تحولت "حكمه" وأداؤه السلس إلى مادة حية يتداولها الشباب عبر مواقع التواصل الاجتماعي حتى اليوم.
ولم يقتصر إبداعه على الظهور بوجهه، بل خلد اسمه في عالم الدبلجة بصوته الرخيم في دور "سكار" بفيلم "الأسد الملك" (نسخة ديزني العربية)، وهو الأداء الذي صُنف عالمياً كواحد من أفضل الأصوات التي قدمت الشخصية.
بصمات سينمائية وإذاعية خالدة
على شاشة السينما، ترك بصمات قوية في أفلام مثل:
- "أرض الخوف" أمام الراحل أحمد زكي.
- "النوم في العسل" مع الزعيم عادل إمام.
- بالإضافة إلى مشاركاته في "الجزيرة"، "تيتة رهيبة"، و"أهل الكهف".
أما الإذاعة، فكانت بيته الثاني؛ حيث كان صوته الرصين ركيزة أساسية في "البرنامج الثقافي" وعشرات المسلسلات المأخوذة عن الأدب العالمي، مما جعله "أستاذ الأداء الصوتي" الأول في مصر.
تواضع الكبار وتكريمات مستحقة
رغم تاريخه العريض، ظل أبو زهرة قريباً من الأجيال الجديدة، وفي موقف إنساني شهير، تواصل بنفسه مع صاحب صفحة "ساخرة" تحمل اسم شخصيته "سردينة" ليشجعه، في لفتة تعكس تواضع الفنان الحقيقي.
وقد تُوجت مسيرته بالعديد من التكريمات، لعل أبرزها في المهرجان الوطني للمسرح بالجزائر عام 2008 تقديراً لمشواره الاستثنائي.
رحل عبد الرحمن أبو زهرة جسداً، لكن صوته سيبقى يتردد في أذاننا، وحكم "سردينة" ستظل نبراساً، وأعماله ستظل مدرسة يتعلم منها كل من يسعى لتقديم فن يحترم العقل والقيمة.
