خفض أسعار 5 سلع أساسية في مصر.. مبادرة جديدة تكشف رحلة السعر من المنتج إلى المستهلك خلال 90 يومًا
في تحرك جديد يستهدف ضبط الأسواق المصرية والحد من الضغوط السعرية، أعلن أحمد الوكيل، رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية، استعداد الاتحاد لإطلاق مبادرة مشتركة مع الوزارات والأجهزة المعنية واتحاد الصناعات المصرية، لتحليل سلسلة تكوين أسعار 5 سلع أساسية، بدءًا من المنتج أو المستورد وحتى وصولها إلى المستهلك النهائي، مع إعداد خطة تنفيذية خلال 90 يومًا تستهدف خفض التكاليف وتعزيز المنافسة وتحسين كفاءة الأسواق.
وتأتي المبادرة في إطار التحركات الرامية إلى معالجة الأسباب الحقيقية وراء ارتفاع أسعار السلع، بدلًا من الاكتفاء برصد التغيرات السعرية، من خلال دراسة عناصر التكلفة في مختلف مراحل الإنتاج والتوزيع، والكشف عن أوجه الهدر والاختلالات التي قد تؤدي إلى زيادة السعر النهائي الذي يتحمله المواطن.
وجاءت تصريحات الوكيل خلال فعاليات «منتدى مصر 2026» بالعاصمة الإدارية الجديدة، بحضور الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، وعدد من الوزراء والمسؤولين والخبراء والمتخصصين، حيث ناقش المنتدى آليات ضبط الأسواق وتطوير منظومة الحماية الاجتماعية وتعزيز كفاءة السياسات الاقتصادية الداعمة للقوة الشرائية للمواطنين.
تحليل أسعار 5 سلع أساسية.. من المنتج إلى المستهلك
تقوم المبادرة المقترحة على تتبع رحلة 5 سلع أساسية عبر حلقات سلسلة الإمداد، بداية من الإنتاج المحلي أو الاستيراد، مرورًا بالنقل والتخزين والتداول والتوزيع، وصولًا إلى البيع للمستهلك النهائي.
ويستهدف هذا التحليل تحديد التكلفة الفعلية لكل مرحلة، ورصد أوجه القصور التي تؤدي إلى زيادة الأعباء على المنتجين والتجار والمستهلكين، إلى جانب التمييز بين الزيادات السعرية الناتجة عن ارتفاع التكاليف الحقيقية وأي ممارسات احتكارية أو غير تنافسية تستدعي تدخل الجهات الرقابية.
وأكد الوكيل أن تحقيق استقرار مستدام للأسعار يتطلب التعامل مع العوامل المؤثرة في تكوينها، وفي مقدمتها توافر السلع، وتكاليف الإنتاج والنقل والتخزين، وحجم الفاقد والهدر، ومدى كفاءة المنافسة داخل الأسواق.
وتسعى المبادرة إلى بناء صورة أكثر وضوحًا عن هيكل الأسعار، بما يساعد على تحديد التدخلات المطلوبة بصورة دقيقة، بدلًا من اتخاذ إجراءات عامة قد لا تعالج الأسباب الفعلية لارتفاع الأسعار.
خطة عمل خلال 90 يومًا لخفض التكاليف
وفي إطار تحويل المقترحات إلى إجراءات عملية، اقترح رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية تشكيل فريق عمل فني مشترك يضم الجهات المعنية، على أن يقدم تقريرًا خلال 90 يومًا من بدء أعماله، يتضمن مجموعة من الإجراءات التنفيذية لخفض التكاليف وتعزيز المنافسة والحياد التنافسي في مختلف حلقات الإنتاج والتوزيع.
ومن المنتظر، وفقًا للمقترح، أن يتضمن التقرير مؤشرات واضحة لقياس أثر الإجراءات المقترحة على كفاءة الأسواق ومستويات الأسعار النهائية التي يتحملها المستهلك.
ويستهدف هذا المسار ربط السياسات الاقتصادية والرقابية ببيانات فعلية عن حركة السلع وتكاليف انتقالها، بما يساعد على تحديد مواطن الخلل وتوجيه الجهود نحو الإجراءات الأكثر تأثيرًا في خفض التكلفة وتحسين المعروض.
4 مسارات رئيسية لتحقيق استقرار أسعار السلع
استعرض أحمد الوكيل رؤية مجتمع الأعمال لضبط الأسواق، والتي ترتكز على أربعة مسارات رئيسية، تشمل ضمان وفرة السلع، وخفض تكاليف الإنتاج والتداول، وتعزيز المنافسة والحياد التنافسي، والانتقال إلى تحليل أسباب تكوين الأسعار اعتمادًا على بيانات دقيقة.
المسار الأول: زيادة المعروض وضمان توافر السلع
يرتكز المسار الأول على ضمان وفرة السلع واستدامة المعروض في الأسواق، من خلال تعميق الصناعة المحلية، وتيسير إتاحة مستلزمات الإنتاج، وتسريع الإفراج عن السلع، وإزالة المعوقات التي تحد من الإنتاج والاستيراد.
ويستهدف هذا التوجه الحد من الاختناقات التي قد تؤدي إلى نقص المعروض وارتفاع الأسعار، مع تعزيز قدرة السوق على تلبية احتياجات المستهلكين بصورة مستمرة.
كما دعا الوكيل إلى التوسع في المبادرات الحكومية والتجارية التي تتيح السلع بأسعار مخفضة، مع تطويرها من معارض موسمية ومبادرات مرتبطة بمناسبات محددة، مثل «أهلًا رمضان» و«العودة للمدارس» و«سوق اليوم الواحد»، إلى آليات أكثر استدامة تضمن استمرار إتاحة السلع بأسعار مناسبة على مدار العام.
«كاري أون» و«سوبر توفير».. التوسع في منافذ السلع المخفضة
وفي هذا السياق، أشار الوكيل إلى التوسع في سلسلة «كاري أون – Carry On» ومنافذ «سوبر توفير»، بهدف الوصول إلى آلاف المنافذ في مختلف المحافظات.
ويعتمد هذا التوجه على رفع كفاءة سلاسل الإمداد وتقليل تكاليف التداول، بما يساعد على توفير السلع بأسعار مخفضة بصورة مستدامة، وتوسيع نطاق استفادة المواطنين من المبادرات التجارية التي تستهدف تخفيف الأعباء المعيشية.
المسار الثاني: خفض تكاليف النقل والتخزين والتداول
يركز المسار الثاني على معالجة الأعباء التي تتحملها السلع خلال انتقالها من مناطق الإنتاج إلى الأسواق، من خلال تطوير أسواق الجملة، وإنشاء مراكز لوجستية ومناطق للتخزين والتبريد والفرز والتعبئة بالقرب من مناطق الإنتاج.
كما يشمل مراجعة تكاليف النقل والخدمات المينائية، بما يسهم في تقليل الأعباء التشغيلية والحد من الهدر الناتج عن ضعف كفاءة عمليات النقل والتخزين والتداول.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة بالنسبة إلى المنتجات الغذائية سريعة التلف، التي تتأثر أسعارها النهائية ليس فقط بتكاليف الإنتاج، وإنما أيضًا بمدة النقل وظروف التخزين وعدد حلقات الوساطة التجارية.
فاقد وهدر يصل إلى 30%.. هل يؤدي تقليله إلى خفض الأسعار؟
سلط الوكيل الضوء على مشكلة الفاقد والهدر في بعض سلاسل الغذاء، مشيرًا إلى أن نسب الفاقد قد تتراوح بين 20% و30% في المنتجات الأكثر قابلية للتلف، وفقًا لما أورده النص بشأن تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
ويمثل تقليل الفاقد أحد المسارات المهمة لزيادة المعروض الفعلي من السلع دون الحاجة إلى زيادة مماثلة في حجم الإنتاج، إذ إن الحفاظ على كميات أكبر من المنتجات خلال مراحل النقل والتخزين والتوزيع يعني إتاحة جزء أكبر منها للبيع والاستهلاك.
ومن شأن تطوير منظومة التبريد والتخزين والفرز والتعبئة، إلى جانب تحسين إدارة سلاسل الإمداد، أن يساعد على تقليل الخسائر التشغيلية وخفض التكلفة الإجمالية للسلع، بما قد ينعكس إيجابيًا على الأسعار النهائية للمستهلكين.
المسار الثالث: تعزيز المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية
يمثل تعزيز المنافسة والحياد التنافسي والشفافية محورًا أساسيًا في رؤية اتحاد الغرف التجارية لتحقيق استقرار الأسواق.
ويشمل هذا المسار ضمان حرية دخول المنتجين والموردين إلى السوق، وتيسير إنشاء الشركات، وإزالة المعوقات التي تحد من المنافسة العادلة، مع تطبيق قواعد حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية.
كما يتضمن تفعيل البورصة السلعية للبضاعة الحاضرة، وتعزيز التزام التجار بالإعلان الواضح عن الأسعار للمستهلكين، بما يدعم شفافية التعاملات ويساعد المواطنين على المقارنة بين المنتجات والاختيار على أساس السعر والجودة.
وشدد الوكيل على أهمية تطبيق مبدأ الحياد التنافسي، بما يضمن تكافؤ الفرص بين الشركات والمنشآت الاقتصادية التابعة للقطاعين العام والخاص، وعدم منح أي طرف مزايا تنافسية غير مبررة.
وأوضح أن المنافسة الحقيقية تقوم على الكفاءة وجودة المنتجات والخدمات والقدرة على خفض التكاليف، وهو ما يتيح للمستهلك الاستفادة من سوق أكثر كفاءة وعدالة.
دور الدولة في ضبط الأسواق وحماية المستهلك
وأكد الوكيل أن حرية السوق لا تعني غياب الدور التنظيمي والرقابي للدولة، بل تتطلب وجود آليات فعالة لحماية المنافسة ومنع الاحتكار وضمان الحياد التنافسي، مع تحقيق التوازن بين حرية النشاط الاقتصادي وحقوق المستهلكين.
وأشار إلى أن التسعير الإداري الذي لا يراعي التكاليف الحقيقية قد يؤدي إلى نقص المعروض، في حين أن معالجة أسباب ارتفاع الأسعار من خلال خفض التكلفة وزيادة الإنتاج وتعزيز المنافسة العادلة تمثل نهجًا أكثر استدامة لتحقيق الاستقرار.
وبحسب هذه الرؤية، فإن تحسين كفاءة الأسواق يتطلب الجمع بين حرية المنافسة والرقابة الفعالة، بما يمنع الممارسات الضارة دون الإضرار بحوافز الإنتاج والاستثمار أو استمرارية إمدادات السلع.
المسار الرابع: تحليل أسباب ارتفاع الأسعار بدلًا من الاكتفاء برصدها
يرتكز المسار الرابع على تطوير آليات متابعة الأسواق، بحيث لا تقتصر على تسجيل أسعار السلع ومتابعة ارتفاعها أو تراجعها، وإنما تمتد إلى تحليل العوامل التي تحدد السعر النهائي.
وفي هذا الإطار، أشار الوكيل إلى تجربة مرصد الأسعار العامل بالإسكندرية، باعتبارها تجربة يمكن البناء عليها لتطوير منظومة أكثر شمولًا على مستوى الجمهورية.
ومن شأن هذه المنظومة أن توفر بيانات دقيقة تدعم اتخاذ القرارات الاقتصادية والرقابية، وتساعد على اكتشاف الاختلالات المؤثرة في كفاءة الأسواق والمنافسة، إلى جانب متابعة انعكاس الإجراءات المتخذة على الأسعار الفعلية.
ويتيح تحليل البيانات عبر حلقات سلسلة الإمداد تحديد ما إذا كانت الزيادة السعرية مرتبطة بارتفاع تكاليف الإنتاج أو النقل أو التخزين، أم أنها ترتبط بممارسات أو اختلالات تستلزم التدخل.
تراجع التضخم لا يعني انخفاض الأسعار
وفي سياق توضيح الفارق بين تراجع التضخم وانخفاض الأسعار، قال الوكيل إن تراجع معدل التضخم السنوي في الحضر إلى 13.9% خلال سبتمبر 2026 لا يعني أن الأسعار انخفضت بالضرورة، وإنما يشير إلى تباطؤ معدل ارتفاعها مقارنة بالفترة المقابلة، مع استمرار التأثيرات التراكمية لموجات التضخم السابقة.
ويعني ذلك أن السلع قد تواصل تسجيل زيادات سعرية، ولكن بوتيرة أبطأ من السابق، وهو ما يجعل تحسين القوة الشرائية للمواطنين مرتبطًا بقدرة السياسات الاقتصادية على الحد من ارتفاع التكاليف وتعزيز المعروض وتحسين كفاءة الأسواق.
وشدد الوكيل على ضرورة العمل بالتوازي على خفض التكلفة الحقيقية لوصول السلع إلى المستهلك وتحسين قدرته الشرائية، بما يضمن أن تنعكس إجراءات الإصلاح الاقتصادي والتجاري بصورة ملموسة على حياة المواطنين.
الحكومة والقطاع الخاص.. شراكة لتحقيق استقرار مستدام للأسعار
وأكد رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية أن مصالح المواطن والمنتج والتاجر ليست متعارضة بالضرورة، بل تتكامل داخل سوق مستقرة تتوافر فيها السلع وتعمل فيها المنافسة بكفاءة وعدالة.
وأوضح أن التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص يمثل عنصرًا أساسيًا لضمان وفرة المنتجات، وخفض تكاليف التداول، والحد من الهدر، وتعزيز الشفافية وتكافؤ الفرص بين مختلف المتعاملين في الأسواق.
وتعكس المبادرة المقترحة توجهًا نحو التعامل مع ملف الأسعار من منظور متكامل، لا يقتصر على التدخلات قصيرة الأجل، وإنما يمتد إلى إصلاح حلقات الإنتاج والتوزيع وتحسين كفاءة البنية اللوجستية وتعزيز المنافسة.
وتبقى النتائج المنتظرة مرتبطة بما ستسفر عنه دراسة السلع الخمس، وطبيعة الإجراءات التي سيتضمنها التقرير المقترح خلال 90 يومًا، ومدى قدرة الجهات المعنية على تنفيذها وقياس أثرها على الأسعار النهائية.
ويستهدف اتحاد الغرف التجارية، من خلال هذه الرؤية، الإسهام في بناء سوق مصرية أكثر كفاءة واستقرارًا وعدالة، تدعم حماية القوة الشرائية للمواطنين، وتحفز الإنتاج والاستثمار، وتوفر بيئة تنافسية تساعد على تحقيق النمو الاقتصادي المستدام.
